"الريحانة والديك المغربيّ": رواية فلسطين وإخلاص الكتابة..
فيصل درّاج
![]() |
| فيصل دراج |
كتب يحيى يخلف رواية أحادية المرجع متعددة المواضيع والأشكال، مرجعها فلسطيني واجه الظلم سبعين عاماً، وعلّمته الأعوام السبعون الألم والمقاومة، الصبر والكآبة، عذاب الروح وانتظار الفرج. وعن هذا الفلسطيني صدرت روايات يخلف المتوالدة، المتنوعة الأمكنة والأزمنة، المتعددة الأساليب التي استقرت فيها رؤيا مطمئنة راضية عنوانها: فلسطين باقية في القلب الفلسطيني، لا تنتزعها القوة العمياء، ولا تطمسها قوى الشر المتكاثرة.
زاملت رواية يخلف مأساة فلسطين من النكبة إلى اليوم، وصاحبت الشتات في وجوهه المتجددة، بدأت ببلدة سمخ المطلّة على بحيرة طبريا، ومرّت، طويلاً، على شقاء المخيمات، وحفظت الإقامة والرحيل في "رباعية البحيرة"، العمل الأكمل الذي سجّل هوان العيش في مخيمات اللجوء، والروح الفلسطينية التي ردّت عليه، والذهاب إلى تجارب الخيبة والنهوض إلى تخوم الاختصاص، حيث للفلسطيني الحقيقي ذاكرة جريحة، وحزن شفيف، وابتسامة متعثرة.
نقف في الرواية الأخيرة: "الريحانة والديك المغربي"، أمام الفلسطيني الذي أرهقته الحياة ولم ينكسر، وأمام الكتابة الروائية المتراكمة، التي أمدّتها التجربة بحرية رحبة، حيث الرواية كتابة وتجريب وتوثيق وتصوير وتخييل وسرد، وشكل من اللعب ناقص المسرّة. لا غرابة أن يكون يخلف في روايته الجديدة، كما كان في "راكب الريح" 2015، روائياً ومؤرخاً وحكّاءً شعبياً، يمتع ويثقّف ويربي، ومثقفاً "عربياً حالماً" يحتفي بحرف الضاد، ويعطف القدس على قلوب مغربية أصيلة المنظور واضحة الثقافة، وقلباً متأملاً يقرأ سطور الزمن في ملامح ما كان وما سيأتي، وأن يكون روائياً مكتهلاً حراً، سمح له عمره الكتابي أن يتصرّف بالكتابة، وأن يمارس كتابة الذكريات ولعبة "التناص" كما يشاء.
يتكشّف يحيى في عمله الجديد روائياً مجدّداً، تملّك دلالات الرواية برهافة لا (تكلّف) فيها ولا ادّعاء، ولا ذلك "التعالم" النافل الذي يلجأ إليها روائيون صغار. فله أسلوبه اللغوي الذي يجمع بين الجمال والبساطة والعفوية، والبحث الدقيق في اللغة، وله تلك الصور التي ترضي القارئ المتقشّف، والقارئ الاحترافي، وإضافة إلى أسلوب كتابي متعدد المستويات، لا تقوم الرواية إلا به، هناك التعددية كمنظور للعالم يحتضن العلاقات جميعاً. فالمكان موجود بصيغة الجمع، يحتضن القدس وفلسطين بين الجبل والبحر، وشوارع القدس وزواياها وأركانها المضيئة والمعتمة، وماثلاً أيضاً في فضاء مغربي يضم تونس والمغرب، عبوراً إلى باريس في جفافها الراهن ورونقها المنقضي. والمكان في الحالات جميعاً حيّز له شخصية، موشّى بالورود والخضرة؛ أو مكسو بالرماد وأحزان الغريب.
بيد أن المتعدد، بالمعنى الروائي العميق، يتجسّد في متواليات حكائية، تبني الرواية ومنظورها من ناحية، وتضع أمام القارئ مادة بشرية مليئة بالتنوع والحركة. وإذا كان في روايات يحيى، دائماً، ما يمكن أن يدعى بلغة زمن تساقط وتداعي: البطل الإيجابي الذي ينهي حكايته محملاً بالنصر، فإن تحولات الزمن، كما تطور يحيى، أنتجت بطولة "الإنسان العادل"، الوسيم القوي، عاشق الناس إلى حدود التلف، الذي ينصر القضايا العادلة، ويعطيها حياته، حال المغربي الذي قضى مع عبد القادر الحسيني، وشخصية الرواية الأساسية، المكتهل الأنيق، الفلسطيني الذي سلبه الظلم الانساني وطنه، وسلبه المنفى إمكانية فرح حقيقي.
يظهر التعدد الإنساني فسيحاً في فضاء أنثوي ناعم الملمس بهيج الرائحة، تخالطه أشياء من تعب الحياة والرغبات المؤجلة. احتفل يحيى بجمالية الوجود، متوسلاً أنثى، بصيغة الجمع، لها طبائعها المتنوعة المتسامحة المدثّرة بدفء يعطي الحياة طعمها: العجوز المشبعة بحكايات تتوازعها المغرب وفلسطين، والأنثى الأنيقة التي عاشت أكثر من قصة حب، وحافظت على عشق قديم، والمرأة الماكرة التي تنوس بين الغواية والظفر بزوج بسيط، و"الجنيّة" المفترضة التي لوثّها الزمن واستعادت طهرها بين فلسطينيين مقاتلين، والفرنسية الباحثة بجهد عن رغيف نظيف، .... تبدو المرأة، في الصور جميعاً، مستقبل الإنسان وماضيه أيضاً، وفرحاً لا يستقيم الوجود من دونه، وابتسامة توقظ القلب وتلاعب الجسد.
متكئاً، بلا ضجيج، على تناص محسوب، استولد الروائي أصواتاً متعددة، سردت كفاح عبد الكريم الخطابي المغربي قائد ثورة الريف، وكفاح الشعب الفلسطيني ضد وعد بلفور والغزو الصهيوني، كما لو كان التناص أداة فنية تجسّد المسافة بين زمن "حارة المغاربة" في القدس وجهاد الفلسطينيين المتواتر، بدءاً من رحيل العثمانيين عن فلسطين، وصولاً إلى إخراج الفلسطينيين منها. صيّر التجسير الفني بين الأزمنة الروائية مؤرخاً هامس الصوت، شفيف الحزن، يسير بطيئاً مع حزن قديم وثقة متعبة، ويروي وقائع فلسطين بأسى لا يخالطه الخطأ.
خبرةٌ كتابيةٌ متراكمةٌ أطلقت الروائيّ حراً، يجمع بين الوقائع التاريخية الدقيقة والخواطر المنسرحة، يسوق الحكايات بخط مستقيم، ويدع الزمن الخطّي، ويستأنف السرد كما يريد مقترباً، بين واقعة وأخرى، من تيار اللاوعي، مازجاً بين مرونة الحياة وإيقاع الكتابة، وبين النثر الصقيل وإنشاء مرتاح المرونة. ولعل هذه المرونة هي التي أتاحت له استعمالاً حراً للحكاية الشعبية في رموزها المتداولة، حيث الديك النجيب، والحصان العاقل، ولغة الطير، وحفيف النبات وشميم الفصول، بل إن حرية الكتابة أرضت الكاتب، المتنقل من حكاية إلى لفيف من الحكايات، وأتاحت للقارئ أن يقع على المتوقع، أو أفق القارئ كما يقال، واللامتوقع الذي يسمح بلقاء ما لا يتوقعه. جسّد يخلف مرة أخرى مرونة الجنس الروائي، التي حدّث عنها طويلاً الروسي الشهير باختين، التي تجمع متناقضات الحياة في سرد متعدد الأسئلة والأساليب واللغات، مقترباً من الفن ـ اللعب، الذي لعبه جدّ، وجدّه مزيج محسوب من المتخيّل ووقائع الحياة. أنجز يخلف، بعفوية، رواية متعددة الأصوات، بمعنى الشخصيات الثابتة والمتقاطعة، وأسلوب الكتابة الذاهب من مستوى إلى آخر، ووجوه الحياة المتنوعة التي تصل بين "حارة المغاربة" في القدس، والتسكّع الضجر في شارع باريسي أنيق.
لا غرابة أن يخترق الحوار نص "الريحانة" في مستوياته المختلفة، حيث نص أول تستهل به الكتابة، ونص وافد استقدمته صنعة الكتابة، يضيء النص الأول ويطوّره ويتطوّر معه، وهو ما عبّرت عنه "أوراق ريحانة ـ ما روته لاله عزيزة"، الذي يمدّ الرواية بفضاء حكائي واسع، ويمنح القارئ فرصة للتأمل المريح أو الراحة المتأملة. واجه يخلف نصاً أولاً بنص آخر يكمله، يضيئه ويستضاء به، حيث في النص الأول فلسطيني من الحاضر، يحمل ذكرياته الموجعة ويمشي، وفي النص الآخر المفتوح فلسطين قديمة ـ جديدة، لها معاركها وشهداؤها وذكرياتها وتوقعاتها، ولها ذلك المسار المأساوي الذي يحاور التاريخ ويزهد بإجاباته المريضة.
كان يخلف في نصوصه الروائية المتعددة، باستثناء عمله الصغير الجميل "نهر يستحم بالبحيرة"، قد أدمن على "تفاؤل" اشتقه من كفاح الفلسطينيين. انزاح في روايته الجديدة، عمّا لازمه طويلاً، استعاض عن التفاؤل بالحب؛ إذ أكثر من "ذكر" يعشق أكثر من "أنثى"، وأكثر من قلب يعشق الوطن والكرامة، وأكثر من أنثى ترى الحياة بلا حب جفافاً لا يطاق. أخذ بمنظور المضطهدين وبصيرة عشّاق الحياة، الذين يحوّلون الحب إلى فعل نبيل مقاتل ـ أنجبت الكتابة متواليات حكائية نفذت إلى كثافة الحياة وقلوب البشر المستترة، وأنجبت معها الوجوه المتفردة والحوارات المتنوعة، و"عبق القلوب" التي تواجه الحياة بمشقة وتعود وتستأنف حياتها بحكايات جديدة.
حضرت فلسطين في روايات يخلف جميعاً، حتى استحق صفة: مؤرخ فلسطين الروائي، حيث لفلسطين حضور يسبق النكبة ويتلوها، يحتضن مظاهرات القدس التي تلت وعد بلفور، وهبّة البراق وثورة 1936، وأطياف الفلسطيني العظيم عبد القادر الحسيني، وصقيع المنفى وبؤس المخيمات، والفدائي الذي يرجع إلى أهله سليماً، بل إنه رجع في رواياته إلى زمن الكنعانيين ويافا في القرن الثامن عشر.. كان عليه أن يروّض الجملة القائلة: "الروائي يساجل التاريخ ويزهد بقوله"، ذلك أن يخلف كان يضع في التاريخ المرفوض تاريخاً آخر، يصنعه الذين مكر بهم التاريخ، تاريخاً واقعياً- متخيلاً، يسرد أحوال الفلسطينيين الذين لم يختاروا أحوالهم، ويتطلع إلى تاريخ مشتهى، تبنيه القيم وفضائل المضطهدين الرافضين اضطهاداً وقع عليهم. فمن البداهة أن تسكن رواية يحيى مقولات مكانية متنوعة، تتضمن: القرية، البحيرة، المخيم، الخيمة، قاعدة المقاتلين، المقبرة وجنازة الشهيد، رام الله اليوم، وحقول فلسطين العامرة بالبرتقال والشذى، وإلفة الفلاحين الفلسطينيين.
"تاريخ فلسطين الروائي يبدو من دون يحيى يخلف ناقصاً". هذا ما هو قائم وما يجب أن يُعترف به. فبين "تلك المرأة الوردة" ورواية "الريحانة" أربعون عاماً وأكثر، بالمعنى الزمني المباشر، وبينهما بالمعنى الكتابي خبرة واجتهاد ومثابرة وإخلاص للكتابة، ووفاء لفلسطين. هذا الجهد الطويل بنى صورة "الأخ يحيى"، الذي كلما أكمل عملاً روائياً "عن فلسطين" هجس بعمل جديد وبشكل جديد موائم له.
الرواية الصغيرة التي بدأ بها الكتابة الروائية "نجران تحت الصفر" تحوّلت إلى مكتبة، ورواية فلسطين الأولى "تفاح المجانين" تناسلت في روايات، والطموح المقتصد الذي بدأ منه صار إيماناً طموحه رواية لا تكتمل "تليق بفلسطين"، والشاب البسيط الذي تتلامح في وجهه ابتسامة تلميذ نجيب، تغيّر لون شعره وبقيت ابتسامته كما كانت.
---------------------
* يحيى يخلف: الريحانة والديك المغربي، رواية، الأهلية، عمّان، 2020 (350 صفحة).
_________


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق