جاري تحميل ... مدونة المفكر

إعلان الرئيسية

أخر الموضوعات

إعلان في أعلي التدوينة

مقالات

رؤيتي .... صراع من أجل البقاء

 

عبد المجيد حمدان

 


 1

 

لتسهيل عرض رؤيتي سأسمح لنفسي بتقسيم مراحل صراعنا إلى مرحلتين . مرحلة أولى ماضية ، ما قبل مشروع نتانياهو / ترامب ، ومرحلة ثانية ، آتية ، أو قادمة ، ما بعد مشروع نتنياهو / ترامب .

تعاقبت خمسة أجيال على حمل عبء النضال في المرحلة الأولى . جيل جَدي ، جيل أبي ، جيلي ، جيل أولادي ، والآن جيل أحفادي . مرحلة تجاوزت القرن وثلث القرن من العمر .

في النصف الأول من عمر المرحلة ، قبل النكبة ، شكلت أرض فلسطين ، من الناقورة شمالا إلى أم الرشراش جنوبا ، ساحة النضال . ومن على أرضها قامت كل قطاعات الشعب الذي كان كتلة واحدة ، كل فئاته الاجتماعية ، بأدوارها في هذا النضال .

في النصف الثاني ، بعد النكبة ، تمايزت الأدوار كما أشكال النضال ، ما بين الشتات وبين الداخل ، وما بين الداخل الذي هو خارج الخط الأخضر ، والداخل الذي هو داخل الخط الأخضر .

ولأنه اتفق على تصنيف المرحلة بمرحلة التحرر الوطني ، ولأن اختيار أدوات ، أساليب ، وأشكال النضال ، يتم على أساس ملاءمتها لطبيعة التصنيف ، لظروف ساحات النضال ، وَلقدرتها على تحقيق الأهداف ، فقد مارس شعبنا ، في شقي هذه المرحلة كل أشكال النضال ؛ السلمي والعنيف . في فترات ساد الأول ، وفي أخرى ساد الثاني ، وفي ثالثة تمازج الإِثنان .

ولأسباب تتعلق بتربيتنا ، بفجور وغطرسة العدو وَإرهابه ، حظي شكل النضال العنيف ؛ هبة البراق ، حركة الكف الأخضر ، محاولة عز الدين القسام ، ثورة 36- 39 ، حرب 47 - 48 ، الثورة الحديثة - الكفاح المسلح وساحاته في الأردن ثم في لبنان - ، حظي بتقدير وبتغلغل في الوعي الشعبي رفعه إلى درجة القداسة ، ولدرجة اعتبار أنه الوسيلة الوحيدة ، والتي لا وسيلة للنضال غيرها .

المُقدِّسون يفوتهم وجوب توفر مجموعة من العوامل اللازمة لاعتماد هذا الشكل أو ذاك من النضال ، وخصوصا عند اعتماد شكل النضال المسلح . من هذه العوامل توفر الملاذ الآمن ، ساحة الأرض التي ينطلق منها النضال ، ويحتمي بها المناضلون ، ومنها توفر الدعم ، خصوصا ضمان إمدادات السلاح ...الخ .

من المؤكد أننا جميعا نتذكر أنه ، وفي كامل المرحلة ، حظي النضال ، بشقيه السلمي والعنيف ، إضافة لأرض ساحات النضال ، بدعم وإسناد عربي ودولي متعدد الأشكال ؛ شعبي ورسمي ، سياسي ومعنوي ، أدبي ومادي ، مالي ودبلوماسي ..الخ .

وفقط للتذكير ، وعلى سبيل المثال ، وفر الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية للكفاح المسلح في الأردن ، ثم في لبنان ، كل احتياجاته من السلاح والعتاد والحركة والاتصالات والدعم السياسي في مؤسسات الأمم المتحدة .. الخ . وقدمت بعض الجهات العربية ، الحماية ، المال وأدوات أخرى . فهل خطر في البال مثلا تقدير قيمة ذلك الدعم بالسلاح وتوابعه بالمال ؟ كم مليارا من الدولارات كانت تلك القيمة ؟ وأيهما أكبر مجموع الدعم الخليجي الذي تتم مُعايرتنا به ، أم هذا الدعم الاشتراكي ؟ ولكن ..

ولكن ، كانت وظلت جبهة أعدائنا ، الحركة الصهيونية بِأذرعها الطويلة المتنوعة والمتعددة ، حَاميتاها الاِستعماريتان الإِمبرياليتان ؛ بريطانيا وفرنسا بداية ، ثم أمريكا الإمبريالية لاحقا ، قوية ومتراصة . أكثر قوة وَتراصا من جبهتنا . ولأنها وظفت إمكانيات متنوعة وهائلة ، فقد حققت خللا كبيرا في ميزان القوى لصالحها .

وبسبب عوامل ضعف عديدة ، داخلية وعربية بالأساس ، وبسبب الخلل هذا في موازين القوى ظلت نتائج الصراع على طول المرحلة السابقة تأتي في غير صالحنا ، وإلى أن وصلنا إلى هذا الحال الذي نحن عليه . حال إعادة تقسيم المقسم ، كما عكسه مشروع نتانياهو ترامب . مرحلة جديدة بتصنيف جديد .

مرحلة تتميز بِفقدنا لكل العوامل التي توفرت في المرحلة السابقة لمنح صراعنا أمل النجاح . مرحلة تراجع فيها تصنيف النضال من مرحلة التحرر الوطني ، الاستقلال وإقامة الدولة ، إلى مرحلة الصراع من أجل ضمان البقاء ، فتفعيل هذا البقاء في مرحلة لاحقة . مرحلة انتقل فيها النضال من الساحات الواسعة إلى التركز في وعلى ساحة ضيقة ، هي ساحة الضفة الغربية . مرحلة ستمتد لِآماد لا نعلمها بعد ، وسيتنقل عبء المشاركة فيها لأجيال عديدة قادمة . ولأنها غدت كذلك ، فقد بت أرى أن لا نفع لها في أدوات ، أساليب ، وأشكال نضال المرحلة السابقة . أرى أنها مرحلة تتطلب اجتراح أدوات ، أساليب وأشكال نضال جديدة ، وأن يكون بعضها جديد كل الجدة . والسؤال الآن : وكيف يكون ذلك ؟

 

2

اسمحوا بداية أن أقول : حلمت بأن يثير تصنيفي لمرحلتي النضال ، النكوص عن مرحلة التحررالوطني إلى مرحلة الحفاظ على البقاء ، أن يثير معارضة فَجدلا صاخبا ، أو حتى حوارا هادئا ، يساهم في تعميق الرؤية ، أو حتى في رفضها . ذلك ، لأسفي ، لم يحصل . وَبدرجة أقل حلمت أن أُسأل : علام بنيت رؤيتك ؟

وجوابا على هذا السؤال الإفتراضي أقول :

مشروع نتانياهو - ترامب ، صفقة القرن أو صفقة العصر ، أو مشروع التقسيم الجديد حسب توصيفي ، مصوب على أرض الضفة . المشروع يسمح لإسرائيل بضم فوري ل30 % من مساحتها . الضم الجديد لا يكمل أسوار تطويقها وعزلها فقط ، ويحولها إلى سجن محاط بالكثير من الأسوار الشائكة والحراسات المشددة . هو أيضا يقطعها إلى عدد من الجزر ، أو السجون المنعزلة ، بإدارات وأسوار شائكة وحراسات مشددة إضافية . والأنكى أن حراس هذه السجون ، الكبير ، كما المتفرقة والمنعزلة ، هم المستوطنون المسلحون ، الطامعون وَالمتمتعون بحماية الجيش غير المحدودة .

وإذا كنا ، في مرحلة التحرر الوطني السابقة ، وثوراته المسلحة المتعددة والمتلاحقة ، المسنودة بالدعم العربي والدولي ، شديد التنوع وشديد السخاء ، قد عزونا إِخفاقاتنا المتتالية إلى الإِختلال الدائم في ميازين القوى ، فإن الضم يحول هذا الإِختلال إلى انخساف في هذه الميازين .

في الحلقات السابقة أشرت إلى أن خطوة الضم هذه لن تكون الأخيرة . ستتبعها خطوة ثانية ، وربما ثالثة ، ولتختتم بخطوة الترحيل الكارثة .

خطوة الضم القادمة ستفتح أشداق غول الاستيطان على اتساعها . قراءة اعتراضات رؤساء تجمعات الاستيطان على خطوة الضم أكثر من ضجيج إنذار لمرحلة ضم ثانية قادمة .

خطوة الضم الحالية احتاجت ل53 سنة من الإعداد . صمود الناس في الأرض ، والمقاومة متعددة الأشكال للمصادرات والاستيطان هي من أَعاقها فأَطالها . انخساف ميزان القوى لا يضعف القدرة على المقاومة فقط ، وإنما يرفع الكوابح عن شهية المصادرة والاستيطان ، وبما ينعكس في تقصير المرحلة التالية لعشرين ، لعشر سنوات قادمة ، وربما أكثر أو أقل .

وَللزيادة في الإيضاح ، لا تستطيع الكتل السكانية الكبيرة ، في رام والبيرة ، في الخليل ، في نابلس منع التوسع لمستوطنة مجاورة ، والذي قد يبتلع أحياء منها . كما لا تستطيع صواريخ غزة ، ولا مساندة الأهل في القدس والداخل وقف ، كبح ، أو حتى إبطاء مثل هذا التوسع .

انتهاء مراحل الضم يخلق لأهل الضفة وضعا مشابها أو قريبا من وضع الأهل في القدس والداخل . وإسرائيل ، في هذا الحال ، شاءت أو أبت ، ستواجه ثلاث خيارات : 1- ضم هذه الكتلة السكانية الفلسطينية الكبيرة ، ومنحها حقوقا متساوية ، وبالتالي نشوء دولة ثنائية القومية ، نشوء يطيح بحلم دولة يهودية نقية ، وَيبشر بمستقبل لتفوق عددي للقومية العربية ، فَتغيير كبير في قوانين وبنية الدولة كلها . 2- أو دولة أبارتهايد عنصرية بمشاكل وقلاقل تقربها من مصير دولة جنوب إفريقيا العنصرية ، طال الزمن أو قصر . 3 - أو إخراج مخطط الترحيل القسري والشامل لأهل الضفة من الدرج ، بعد تمهيد بخلق الأعذار وتوفير المبررات فَاغتنام الفرص واللحظة ، لِوضعه موضع التطبيق .

الأمر المنطقي ، أو البديهي ، سمه ما شئت ، أن ترسو إسرائيل على الخيار الثالث ، لأنه يتيح لها تطبيق حل للقضية الفلسطينية بذات الطريقة التي حُلَّتْ بها القضية الأرمنية ، ومن قبلها قضايا الهنود الحمر في الأمريكتين .

قلت الأمر البديهي أو المنطقي ، لأنني في كتابي :" إطلالة على القضية الفلسطينية 2 " أفردت الفصل الرابع ، 30 صفحة من القطع الكبير ، لِمداولات القيادات الصهيونية حول موضوع الترحيل ، المداولات التي بدأت مع وصول لجنة بيل في العام 37 فَصدور قرار التقسيم الأول ، وباعتماد الترحيل سبيلا وحيدا لإقامة الدولة اليهودية النقية . المداولات بدأت الحديث عن ترحيل طوعي لِ 1200000 فلسطيني إلى الأردن ، العراق ما بين النهرين ، والجزيرة الفراتية في سوريا ، واعتماد قوة الانتداب لتنفيذه ، رافقتها مشاورات مع قادة الدول المعنية ، الأمير عبد الله بن الحسين من الأردن ، نوري السعيد وتوفيق السويدي العراق ، جميل مردم بك رئيس وزراء سوريا أثناء حرب 48 . وتطور المشروع إلى ترحيل قسري واعتماد القوة العسكرية اليهودية للتنفيذ .

المدهش في مشروع الترحيل والذي طالت مُداولاته لأكثر من عشر سنوات ، أن بعضه كان يجري في العلن ، وتتناوله الصحف ، ومن ثم تصل أخباره إلى القيادة الفلسطينية التي واصلت مقابلته بالإهمال ، وهو ذات الموقف الذي تتخذه القيادات الفلسطينية الحالية من أوراق مؤتمرات هرتسيليا المتعاقبة ، ومن مشروع الترحيل الذي برز إلى العلن الآن .

لكل ذلك كان تصنيفي للمرحلة القادمة بِمرحلة الصراع من أجل البقاء . وأضيف : أن عدونا الأكبر ، الأخطر والأشد فاعلية ، هو الاستسلام لنزعة القدرية المتأصلة فينا ، فَاللجوء ، بناء عليها ، إلى سلاسل التنظيرات القائلة بانتفاء احتمالات حدوث كارثة بالترحيل جديدة لا يقبل بها العالم ولا تقبل الأردن ، أو أي دولة أخرى بعبور ، ناهيك عن استقبال ، المرحلين ، ومن ثم رفض التنبه فوضع استراتيجية جديدة ، تقوم من الآن على وضع التدابير اللازمة فَالنضال لمنع وقوعه . هنا يبرز السؤال : إذاً ، كيف يمكن أن تكون محددات هذه الاستراتيجية لصراع البقاء هذا ؟

3

من جديد أُعاود التأكيد على : إذا اتفقنا على تصنيف المرحلة القادمة في نضالنا بأنها تراجعت من مرحلة التحرر الوطني ،إلى الصراع من أجل البقاء ، وأن أدوات ، أساليب ، ووسائل النضال للمرحلة السابقة لا تصلح في غالبيتها للمرحلة الآتية ، فقد بات علينا اشتقاق استراتيجية للنضال تلائم بأدواتها ، أساليبها ووسائل عملها متطلبات المرحلة القادمة ، مرحلة حفظ البقاء ، تثبيت وتعزيز هذا البقاء . واسمحوا لي بتقديم مساهمتي فيها وكما يلي :

1-     التنبه لضرورة حرمان إسرائيل من أية ذريعة مهما صغرت ، يمكن أن تساعدها على البدء ، التغطية ، فَتبرير جريمة الترحيل . ذلك يعني تخلصنا وبحزم من بعض أشكال ووسائل النضال التي اعتمدناها في المرحلة السابقة ، وَثبتت عدم فعاليتها . وبمعنى آخر اعتماد منهج النضال اللاعنفي ، المدني السلمي ، في استلهام تجديدي ، تطويري لتجربة انتفاضتنا الكبرى في سنتها الأولى ، وَلتجارب أهلنا داخل الخط الأخضر .

2-      هجر الاتكالية بكل أشكالها وأنواعها وبحزم ، وفي المقدمة منها انتظار فعل المبادأة والقيادة من السلطة والفصائل الوطنية ، كما التنبه والتحلي بأعلى درجات اليقظة والحذر تجاه خطوات الفعل الإسرائيلي ، بدءا بالتصريحات ، المشاورات ، الدراسات ، خطط العمل ، والنهوض لمواجهتها على كل الصعد . مثال ذلك ما تسرب من تصريحات لِنتياهو عن مشاورات وخطط لِسحب هويات العائدين وطردهم ، بذريعة أن التحلل من التزامات أوسلو ، يوفر لإسرائيل حق اتخاذ مثل هذه الخطوة . وكذلك ما تسرب عن ضغط على السودان وغيره لبدء مخطط لتوطين مجموعات من اللاجئين ، في إطار السعي المحموم لدفن حق العودة . علينا وعي الحقيقة البسيطة والقائلة أن أي نجاح لإسرائيل في أي من الخطوتين مهما صغر أو ضؤل ، ما هو إلا إنذار ، فَمقدمة لبدء هبوب رياح عاصفة الكارثة .

3-      ولأننا نعرف حق المعرفة ، أن المرحلة القادمة طويلة ، ولا يمكن حسمها في جيل أو جيلين ، وقد تمتد لعدة أجيال ، كما حدث مع سابقتها ، يتوجب علينا هجر السياسات قصيرة النفس ، السياسات المبنية على الاستعجال في رؤية وحصد النتائج ،السياسات التي إِعتمدناها طوال المرحلة السابقة ، وبالنتائج التي وصلنا إليها ، إلى اعتماد سياسات طويلة النفس ، الأمر الذي يتطلب الاهتمام اعتماد سياسة تربوية ، توعوية ، تعبوية مثابرة تستند إلى دعم ، تطوير ، ونشر الثقافة المنافية للغيبيات بكل مكوناتها .

4-      ولأن إحباط مخططات الترحيل ، والنجاح في الحفاظ على البقاء ، يعني إجبار إسرائيل على الأخذ بأحد الخيارين الآخرين ؛ دولة أبرتهايد عنصرية قبيحة وسافرة ، أو دولة ثنائية القومية ، ومواطنة متساوية ، وهو ما يعيد الوضع برمته إلى ما قبل التقسيم ، فإن علينا من الآن ، ليس فقط أن نضع هذا الاحتمال في حسابنا ، بل وأن نعمل من أجل الوصول إليه ، الأمر الذي يعني العمل على نقل شعبنا من حالته الراهنة ، المتمثلة في وقوفه الراهن خارج هوامش الحضارة ، إلى إدخاله إليها ، وجعله فاعلا فيها .

5-      إن هجر الاتكالية ، هجر الركون إلى القدرية ، والخروج من حالات الإهمال واللامبالاة ، يعني أول ما يعني ، فهما ، وَعيا ، إدراكا فَقبولا لِحقيقة ساطعة ، وهي أن المسؤولية في المرحلة القادمة ، هي فردية وجماعية ، شعبية ورسمية ، مسؤولية تقع على عاتق الفرد فينا قبل الجماعة ، وعلى عاتق الجماعة قبل الفرد ، على عاتق الجماهير الشعبية قبل السلطة ، كما على عاتق السلطة قبل الشعب . بمعنى آخر ،عدم جواز انتظار طرف فيها لبدء الآخر في حمل المسؤولية ، ومن ثم المبادرة للنهوض لحمل عبء النضال والقيام بالواجب ، ودون انتظار لفعل الآخرين . ذلك لأن مصير ومستقبل أطفالنا ، وحمايتهم من التشرد والتيه ، هي مسؤولية كل واحد فينا بالدرجة الأولى ، وأنها تسبق مسؤولية الغير ، كائنا من كان هذا الغير ؛ فصائل ، مؤسسات ، سلطة ، أجهزة ، وزارات ..الخ ، وأن واجب الحفاظ على ممتلكاتنا ، بيوتنا …. يقع على عاتقنا بالدرجة الأولى ، فرادى وجماعات ، وأن الاتكال على الغير ، كان من كان هذا الغير ، محظور حظرا تاما وكاملا ، لكون هذا الاتكال ، كما وضحت التجربة ، هو البلدوزر الذي يشق الطريق إلى هلاكنا .

6-      ليس علينا بدء نضالنا اللاعنفي من نقطة الصفر ، كما بدأها أخوتنا داخل الخط الأخضر ، فنحن الآن ، وعلى نقيض ما كنا عليه في العام 67 ، وما كان عليه حال أهلنا في الداخل بعد النكبة ، نملك الكثير من أدوات ووسائل الفعل ؛ مؤسسات وتنظيمات اجتماعية وسياسية ؛روابط جامعية ، نقابات مهنية ، نقابات عمالية ، نوادي شبابية ، مجالس بلدية وقروية ، اتحادات نسائية ، اتحادات كتاب ، صحفيين وإعلاميين ، منظمات أهلية ، روابط متقاعدين ، جمعيات خيرية وتعاونية ..الخ . ثم لدينا أحزاب وفصائل سياسية بعلاقاتها وقدراتها المتشعبة . صحيح أن عمل كثير من هذه المؤسسات يتسم بالبيروقراطية ، والأهم بالاتكالية والتقاعس عن أداء الواجب ، لكن المرحلة الجديدة تفرض بعث إدارات هذه المؤسسات من رقادها ، ودفعها لتحمل مسؤولياتها . والطريق لذلك واضح وبسيط ، من القاعدة وإلى أعلى . فالأستاذ الجامعي ، والطبيب عالي الاختصاص ، والمستثمر الغني ، على سبيل المثال ، هو صاحب ملكية ، ورب أسرة . والحفاظ على ملكيته من الضياع وأسرته من التشرد مسؤوليته هو ، قبل أن تكون مسؤولية مجلس النقابة ، أو مجلس الرابطة ، أو رأس وجسم السلطة بِوزاراتها وأجهزتها ومؤسساتها . وتنبه الفرد لواجباته تلك ، ونهوضه للقيام بها ، لا بد وأن يؤدي إلى دفع رأس مؤسسته للتخلي عن بِيروقراطيتها ، ومن ثم الارتفاع لمستوى حمل عبء المسؤولية .

7-      ولأن المرحلة ستكون طويلة وشاقة ، ولأن إسرائيل وأمريكا سَتخلقان من الصعوبات ، وَستمارسان من الضغوط والعقوبات ، ما نعرف وَجربناه ، وما لا نعرف ولم نجربه ، ومن وسائل الخنق وَالإملاءات الكثير الكثير ، يتوجب علينا عدم الخضوع فَإضفاء أي نوع من الشرعية على على الإجراءات الإسرائيلية . ولأننا سنكون في أشد الحاجة لأدوات شرعية للنضال ، فإنه يتوجب عدم التنازل ، بأي شكل وبأي حال ، عن مكاسب حققناها ، كتلك التي رافقت وتلت مجيء السلطة ، وبينها السلطة ذاتها . صحيح أن الفساد وضعف الكفاءة يتغلغل في مفاصلها جميعا ، وصحيح أكثر أن أداءها أدنى بكثير من مطامحنا ، لكنها تبقى ملكنا ، وتفعيل أدائها يقع ضمن مسؤوليتنا . ولنتذكر أن التخلص منها يعني تقديم مؤسساتها هبة خالصة للعدو ، فَإحلال مؤسساته مكانها ، وحيث النضال ضدها سيكون أصعب بعشرات المرات ، من مثيله لإصلاح مؤسساتنا .

8-      ولأن الضغوط والعقوبات ، كما الإغراءات ، قد تجبرنا على ما يسمى بِالعودة لطريق المفاوضات ، وَبأجندات يفرضها العدو ، فإن علينا التنبه ومن الآن ، بضرورة المضي في نهج رفض قبول الإملاءات ، رفض التنازل عن حقوق شعبنا ، رفض الاعتراف ، فَإضفاء الشرعية على إجراءات العدو . وربما علينا أن نستعير استراتيجيته هو في مط المفاوضات إلى مالانهاية ، واللجوء للتعلل بأسباب لقطعها ، والعودة للبداية ، كما كان يفعل هو في سابق الأيام .

9-      وَلأننا سنكون في أشد الحاجة للتضامن ، وَلقبول العون ، الأدبي ، المعنوي ، السياسي ، المادي ، مهما ضؤلت قيمة هذا العون ، فإنه يتوجب علينا التعامل بحذر ، وَببرود أعصاب ، تجنب استعداء الآخرين ، مهما بدا من سوء أفعالهم . كما وتجنب الانجرار إلى ، فالدخول في محاور عربية أو إقليمية .

10-                         ولأن الخطر ، خطر الضم فَالتهجير ، حقيقي وقادم ، يتوجب علينا بدء نشاط تنبيه الأشقاء ، الأصدقاء ، والمؤسسات الدولية ، لخطورته ، وطلب العون لصده ، وبداية صد الخطر الذي تلوح به إسرائيل الآن ، وهو تهجير العائدين وتوطين اللاجئين . كما وأن نبدأ من الآن التنسيق مع الأردن لمواجهة الخطر الأكبر ، ولو باستخدام الجيش لمنع دخول قوافل المهجرين في حال حدوثه .

11-                         لكن وقبل كل شيء ، فإن أبسط متطلبات النجاح لِنضالنا القادم تقوم على تحقيق وحدة وطنية حقيقية وفاعلة . وحدة تفرضها طبيعة الخطر القادم . وحدة الضرر المتربص بالكل : الأفراد ، والفئات ، والطبقات الاجتماعية . وحدة الضرر الذي يسحق الكل ، ويساوي هذا الكل في عدم امتلاك أي شيء ؛ سحق الغني قبل الفقير ، والأمير قبل الغفير ، والمساواة في التحول إلى فئة واحدة لا يملك أفرادها شيئا غير العذاب والآلام والشقاء . مثل هذه الوحدة تفرضها وحدة العمل على مواجهة الخطر ، تفرضها ثورة في كل شيء وعلى كل شيء . ثورة في المفاهيم وعلى العادات والتقاليد ..الخ . ثورة من تحت إلى فوق . من القاعدة إلى رأس السلطتين المالية والسياسية .

وفي ختام هذه الحلقة اسمحوا لي بإعادة التذكير أن كل ما نعرضه يتعلق بالضفة الغربية ، وأن صراع البقاء القادم ، هو صراع يتعلق ببقاء أهل الضفة ، وأنه ، إن لم أكن مخطئا ، من ثلاث مكونات أو حلقات هي : 1- البقاء ذاته - الوجود - .2- ثبات هذا البقاء أي الصمود . 3 - تعزيز هذا الصمود .

والسؤال الآن : وكيف يكون ذلك لكل منها ؟

 

4

 

إذاً ، وبالعودة لعناصر البقاء نقول : لأن وجودنا على أرضنا قائم ، ولأن جذورنا في أرضنا ضاربة عميقا ، فالثبات ، الصمود هو قائم أيضاً . الصمود قائم ، وله ، وفيه دفعنا مهورا غالية ؛ من دمائنا ، من عرقنا ، من سهرنا ، من أوجاعنا وآلامنا ، وفيه ، وله ، سَطَّر البسطاء منا أروع وأجمل وأنبل الأمثلة . واجهوا العقوبات .احتملوا وتحملوا مختلف صنوف الإهانات والإذلال ، لكنهم نجحوا في إفشال حروب التيئيس وَالتركيع .

أجيالنا الجديدة ، خصوصا تلك التي ستتسلم عبء النضال وراياته ، لا تعرف حتى القليل عن ملاحم النضال التي سطرها أهلنا البسطاء في مواجهة قوى عاتية للمستوطنين والجيش ، وفي البدء بصدورهم العارية ، مسلحين فقط بإرادة الصمود . وفقط بعد تحقيق النجاح وصلهم الدعم وحظوا بالمساندة . ملاحم عديدة ، فردية وجماعية ، منها ملاحم خربة أم اللحم ، خربة بيت سكاريا ، خرب شرق يطا ، الأسر المنفردة وسط وعلى جدران قريات أربع ، البيوت المنفردة والمجتمعة داخل H1 في مدينة الخليل ، مضارب البدو في الخان الأحمر ، عرب الكعابنة والجهالين ، خرب شمال الغور ، قرية العقبة / مُحافظة طوباس ، قرية العراقيب التي دمرها الاحتلال 150 مرة حتى الآن ، والقرى الأربعين المعروفة باسم القرى غير المعترف بها داخل إسرائيل ، وعشرات ، إن لم يكن المئات ، من أمثلة الصمود والفخار الملهمة الأخرى .

حدثني صديق عن واحدة منها . قال : خدمني الحظ بزيارة قرية عين حوض ، على سفح الكرمل الغربي . جمال معمار القرية نجاها من الدمار الكامل العام 48 . لكن مباني القرية التي حولها الاحتلال إلى متاحف وبلدة للفنانين ، لم تشفع لأهلها بالبقاء . قسم منهم ، من عائلة أبو الهيجا ، استقر على مساحة ضيقة من سطح تلة مطلة على بيوتهم . لعقود حرمت قريتهم الجديدة هذه من أبسط الخدمات ، وباعتبارها واحدة من القرى غير المعترف بها . لا كهرباء ، لا ماء ، لا صرف صحي ، لا طرق ، لا مواصلات .. الخ . لعقود وهم يعيشون في القرن التاسع عشر . لكن هؤلاء الذين يعملون في أرضهم ، وعند مُصادريها ، لم تضعف إرادتهم على الصمود مئات المحاولات الفاشلة لاستعادة بعض حقوقهم الإنسانية . في مئات الاجتماعات حاولوا العثور على جواب للسؤال القديم الجديد ما العمل . وكان أن اتفقوا على توفير نفقات تعليم واحد من أبنائهم في الجامعة . وقع الاختيار على صبية درست الحقوق . وَكمحامية نجحت في انتزاع بعض المطالب ، ومنها استعادة ملكية 170 دونما من أراضيهم المصادرة ، والتي عادت حكومة نتانياهو وأوقفت تنفيذها .

وننتقل إلى تعزيز الصمود .

يحتل تعزيز الصمود مساحات لا بأس بها من برامج الأحزاب والفصائل ، ومؤسسات ، ووزارات السلطة ، واللجنة التنفيذية للمنظمة ، وحتى من برامج المنظمات الأهلية على تنوعها ، كما ويخرج علينا في كل مناسبة تضيق فيها الحلقة على رقبة القضية الوطنية . لكن المؤلم ، والمؤسف معا ، أن تعزيز الصمود هذا يبقى أسير الشعارات ، والتي لا ولم يتجاوزها مرة في التحول إلى برامج عمل ، وَبآلية وخطوات واضحة ومحددة .

مثلا لم يجر التفكير في تحويل أمثلة الصمود السالفة ، والمئات من مثيلاتها ، إلى مناهج تربية وتثقيف ، يجري تعميمها وتدريسها للأجيال التي ستقود قاطرات النضال التالية . كما لم يجر تقييم ودراسة تراث أجيال مرحلة نضال التحرر الوطني السابقة في الصراع على البقاء ، وفي استحداث أدوات ، أساليب ، ووسائل للصمود ، ناهيك عن تعميم نتائجها الإيجابية لتعزيز هذا الصمود .

كلنا يعرف أن تعزيز الصمود يتجاوز توفير خدمات عصرية متقدمة ، وتوفير عدالة حقيقية ، وأمن وأمان شامل ، وحريات وحقوق متساوية ، أو مواطنة بعبارة أخرى ، يتجاوز ذلك إلى منح الناس القدرة على رؤية واضحة للمستقبل ، وعلى الاطمئنان إلى أن هذا المستقبل يوفر لهم أهم جوانب الحياة التي يطمحون لها ، أو يَرتضونها .

حجتنا الدائمة أن الاحتلال يحول دون ما هو أبسط من ذلك بكثير ، ولذلك لا مانع من مواصلة الأفعال التي ثبت أنها الأوتوستراد السريع لتراكم خيباتنا .

قلت في حلقات سابقة أن جيل جدي سلم راية النضال لجيل أبي . لكن لأن جيل جدي عاش في العصر العثماني ، لم يستطع منح جيل أبي ما يساعده على تحسين فرص نجاح نضاله . هكذا جاء جيل أبي نسخة مكررة من جيل جدي . صحيح أن جيل أبي خاض غمار كل الثورات المسلحة وغير المسلحة ، ما قبل ثورة البراق ، وما بعد ثورة 36 - 39 الكبرى ، لكنه أدرك بتجربته الخاصة ، وهو الأمي ، أن فرص الشعب الجاهل ، أو نصف المتعلم ، في الانتصار على شعب عدو ومتعلم ، بطليعة عالية التعليم ، شبه معدومة ، وأن الإيمان بالقضية ، الجرأة والشجاعة والاستعداد للتضحية ، لا يمكنها ردم هذه الفجوة .

وعى جيل أبي وأدرك ، وهو الجيل شبه الأمي ، أن العلم والتعليم في العصر الحديث ، ليس قاطرة التقدم فقط ، وإنما هو قاطرة النجاح في معارك البقاء لشعبنا . هكذا عمل على توفير ما افتقده هو من فرص النجاح في النضال لجيلي .

الانتداب البريطاني في أواخر أيامه ، ألزم الفلاحين الفقراء بتوفير البنايات المدرسية ، وجزء من رواتب المعلمين ، العبء الأكبر آنذاك ، ليقوم هو بالباقي . جيل أبي قطع من لُقَم خُبزه وأنجز مهمة بناء قاعدة التعليم العصري . لكن جيل أبي ، بسبب عزلته عن العالم ، وبسبب أٌميته ، لم يكن قد طرق سمعه شيء اسمه جودة التعليم ، وجودة نَظيرات التعليم من الخدمات ؛ كالصحة ، الخدمات الإجتماعية ، الإدارة ، والبنى التحتية للاقتصاد والزراعة المتطورة .. الخ .

تمتع جيلي بمنجز التعليم الذي واصل الاتساع والتقدم ، وحيث وجد فيه التعويض عما أضاعته النكبة ، وَليفاخر العالمين بما حقق فيه من تفوق كبير على الأشقاء في كل مكان . كما سعد جيلي بجديد خدمات الصحة ، القضاء ، المواصلات ، الاتصالات ..الخ ، أي بما لم يحلم به جيل أبي . آنذاك ، رأى جيلي أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة فعلا لا قولا وشعارات .

لم يتعزز به الصمود فقط ، ولكن ما تحقق فتح الأبواب والنوافذ لرؤية مستقبل يعد فعلا ، لا قولا وشعارات ، بإمكانيات استرداد ما ضاع من الحقوق . لكل ذلك تفجرت الثورة الفلسطينية الحديثة بالرغم من وقوع الهزيمة المذلة في العام 67 . ولكن ….

لكن جيلي ، وهو يلاحق التطور السريع في التعليم وغيره من الخدمات ، لم يدرك أن حركة التطور هذه ظلت أسيرة فعل القصور الذاتي ، والذي اجتاح العالم الثالث كله عقب زوال عصر الاستعمار . ولأنه لم يكن له تراث في هذه الخدمات لم يملك معايير تدفعه إلى ، ثم تمكنه من فحص جودة هذه الخدمات التي كان قد رضي وسعد وفاخر بها . لم يع أن سرعات تطور العلوم الكاسحة في العالم ، إن واصل حالة الرضى والتفاخر ، تبقيه في خانة التخلف فالعجز عن جني نتيجة مقبولة لنضاله ، مهما غلت التضحيات . كما لم يدرك أن فقدان هذه الخدمات لمعايير الجودة التي توفرت لجيل الأبناء سيعمل على تآكل عناصر تعزيز الصمود لهم ، وهي التي شقي جيلي وهو يُراكمها .ولم يكن ذلك كل ما في الأمر .

 

الأخيرة

 

…. أنا أيضا لم أدرك فقدان التعليم التدريجي للجودة ، وبداهة انعكاس ذلك على باقي الخدمات ، وما يتبعها من تآكل لعناصر الصمود ، إلا بعد ممارستي للتعليم . آنذاك صدمتني حقيقة أن مواد العلوم الطبيعية ؛ الفيزياء ، الكيمياء ، الأحياء ، الجيولوجيا ، والرياضيات ، والتي هي أساس النهضة الصناعية والتكنولوجية الحديثة ، كانت وظلت في نظامنا التعليمي مواد كمالية ، أما الأساسيات فوقفت على الدين ، اللغة العربية والتاريخ ، وَالأخيرتان هما دين بصورة أو بأخرى . لكن تلك الصدمة لم توقظ وعيي ، على حقيقة أن التطور العاصف لمكتشفات العلوم وتطبيقاتها التكنولوجية ، سيعمل على وضع تعليمنا على سلم التردي سنة بعد أخرى ، وأن هذا التردي سينعكس على الخدمات ، وفي مقدمتها الصحة وإنفاذ القانون ، ومن ثم على الصمود في وجه جرافات الإِقتلاع التي يصعد الاحتلال فعلها سنة وراء سنة . لماذا ؟

لأن جيلي عايش وتابع حركة نمو وتطور الخدمات ، وانعكاسها على الصمود ، لأربعة نظم ؛ أواخر حكم الانتداب طفلا ثم فتى ، الحكم الأردني ، الاحتلال ، والسلطة الوطنية . جيلي ، كما سبق وأشرت ، سعد وامتلأ بالرضى عن التطور الذي حدث على التعليم ، الصحة ، القضاء ، الخدمات الاجتماعية ، الطرق وسائر البنية التحتية ..الخ . ولكن

ولكن لأن أكثرها كان شديد التواضع في نهاية حقبة الانتداب ، وكان شبه معدوم لأخرى ، كالخرائط الهيكلية والتنظيم للقرى ، لم يمتلك جيلي المعايير ، أية معايير ، لقياس الجودة لأي من هذه الخدمات ، ومن ثم قدرتها ، وخاصة التعليم ، على إِعادتنا للحضارة ووضعنا على درجة ما من درجات سلالمها من جهة ، وعلى تعزيز الصمود كمقدمة لإحراز نجاح ما في استعادة بعض حقوقنا المنهوبة من جهة أخرى .

صحيح أن جيلي وجيل الأبناء حاول إعطاء جيل الأحفاد ما يساعدهم على فعل وإحراز نتائج أفضل في مواصلة معارك النضال من أجل التحرر الوطني . أنشأ الجامعات والعديد من الكليات العليا متنوعة التخصصات . لكن جيل الأبناء ، وجيل الأحفاد بعدهم ، ملكوا بعض معايير قياس الجودة . قدمتها لهم ثورة الاتصالات من جهة ، والاحتلال من جهة أخرى ، من خلال مشاهدة ومعايشة نظائر هذه الخدمات عنده . وكان أن أطاح استخدام هذه المعايير ، ولو بالمقارنة الفجة أحيانا ، حالة الرضا التي سادت عند جيلي . عصفت بالسعادة ليحل التذمر والشكوى من سوء الأداء وانخفاض المستوى مكانها . تصاعد هذا في حقبة السلطة بالرغم من اتساع مديات الخدمات اتساعا مذهلا .

واسمحوا بعرض مثال .

في العام 51 افتتح الأهالي في قريتي ، وَقرية مزارع النوباني المجاورة ، بناية للمدرسة من أربعة غرف ، خدمت سبعا من القرى المتجاورة ، ووصلت إلى إعدادية كاملة في العام 55 . الآن في هذه القرى السبعة ، كما في كل القرى وحتى في الخِرب ، مدارس ثانوية كاملة للبنات وأخرى للبنين . وفي ذلك الوقت كان في كل المملكة الأردنية ، والضفة جناحها الغربي ، داران حكوميتان للمعلمين ومثلهما للمعلمات ، كما لوكالة غوث اللاجئين . وفي الضفة الآن جامعة أو أكثر في كل محافظة ومعها كليات عليا أخرى . وذات المثال يمكن تطبيقه على الصحة . المستشفيات التي مضت عليها عقود بِطبيبين اثنين صارت بعشرات الأطباء في العديد من التخصصات . ومثلها المستوصفات ، والعيادات بتخصصات في مختلف فروع الطب . والمثال الأشمل القرى وخرائطها الهيكيلة وفك خناق خرائط الاحتلال ، والتوسع المذهل مرات ومرات . ولكن مرة أخرى .

ولكن ، لا أعرف من كان ذلك " المناضل ! " الذي ، أيام عز الثورة في الأردن ثم في لبنان ، أطلق صيحة " أغلق مدرسة تفتح معسكر ثورة " ، ولا من هي الفصائل التي تجاوبت مع تلك الصيحة وحولتها إلى عقيدة ، ولا كيف تم تَشريبها لأجيالنا .

في أواسط السبعينات ولدت الجامعات . مسيرتها آنذاك أعطت الأمل في تخريج طلائع جديدة مستنيرة فَإفراز قيادات من نوع جديد ، ثم في حجز أماكن لنا على درجات سلالم الحضارة الإنسانية . كان ذلك قبل تفعيل العقيدة السالفة ، وتحويل الطليعة المنشودة إلى مليشيات عمياء ، تتربى على ممارسة كل أشكال الفساد ، وعلى التنكيل بِالديموقراطية والحريات والحقوق . تمارس الرشوة تقديما وقبولا ، تتمتع بالدوس على القوانين ، تتغنى بشلالات الدم ، تدوس حرمة الحرم الجامعي بنعالها ، وتهرع إلى جنزرة أبواب الجامعة عند أول خلاف .

ظني أن الفصيل الذي يربي أعضاءه من طلاب الجامعات على مثل هذه السلوكيات ، لا يريد بقاءاً في الحضارة الإنسانية ولا نجاحا لمسيرته النضالية ، كانت ما كانت بلاغة شعاراته . ظني أنه يرى في الجامعات ما كَانته مخيمات لبنان وسوريا ، أيام دولة الفاكهاني ، مجرد معامل لإنتاج وتوريد الثوار ، لا طلائع قيادية مستقبلية .

والآن اسمحوا لي أن أسأل : ما الذي سنورثه لأجيالنا القادمة ، وما الذي سَنقدمه لها من مساعدة كي تنجح في حمل عبء النضال من أجل البقاء ومن أجل الصمود ؟ ما الذي سَنقدمه لأطفالنا كي لا يكونوا نسخة بليدة منا ؟ ما الذي علينا فعله من أجل صمود الأجيال ومن أجل تعزيز هذا الصمود ؟

جوابي هو : إن تواصل حالنا على ما هو عليه من تردي ، فَسنورث أجيالنا القادمة ضمان الفشل لِنضالهم .

إذاً ، ومن أجل توفير عناصر النجاح لِنضالنا من أجل البقاء ، من أجل إفشال مخططات التهجير فَالحغاظ على حيوية قضيتنا الوطنية ،علينا فعل الآتي :

إحداث ثورات لكل أوضاعنا . ثورات في التعليم ، في الصحة ، في القضاء ، في الزراعة ، في القانون . . الخ . ثورات تستهدف :

1-     وضع مطامحنا في تعليم يضاهي في جودته مثيله في البلدان المتقدمة موضع التطبيق .

2-      مغادرة مربع مقارنة حال التعليم وحال الصحة وإنفاذ القانون ..الخ بِحال نظائرها عند أشقائنا العرب وغير العرب .

3-       أن نعمل على احتلال جامعاتنا لمراتب متقدمة في التصنيف العالمي ، وعلى اقترابها من مراتب نظيراتها الإسرائيلية .

4-      أن نعمل على مضاهاة مجمعاتنا الطبية لِنظيراتها في إسرائيل وغيرها من الدول المتقدمة .

5-      أن نعمل على أن تغدو مجمعات محاكمنا قصور عدل حقيقية .

6-     أن نعمل على أن تنال الزراعة ، أن ينال الفلاح حارس الأرض وحافظها دعما حقيقيا لا دعماً شعاراتياً.

7-      أن نعمل على تطوير ، تعميق ونشر ثقافة تخاطب العقل ، تسمو بالأخلاق والسلوكيات ، تهذب الغرائز ، ثقافة تخرجنا من ظلام الغيبيات .

8-      في ظني أن ثورة في التعليم هي المقدمة والقاعدة الكفيلة بتبديد كل أسباب الشكاوى المرة، من سوء أوضاعنا الحالية ، وفي مقدمتها سوء أداء المؤسسات ، رأسها قبل ذيلها ، وما يعتريها من فساد وتجاوز على القانون ، وارتكاب مختلف أشكال المظلوميات .

هل فعل ذلك ممكن ؟ جوابي نعم ممكن ، بل وأكثر من الممكن .

ولنتذكر جميعا أن خياراتنا محصورة بين خيارين لا ثالث لهما ، إما فعل هذا فالنجاح في معركة البقاء ، ثم في المعارك التي ستليها ؛ مكافحة العنصرية ، وضمان المواطنة في الدولة الواحدة ..الخ ، وإما نجاح إسرائيل في فرض مخطط التهجير وضياع كل شيء إلى آماد لا يملك الخيال سبر مداها .

انتهى

 

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *