مقالات
حول الأحزاب السياسية في أراضي السلطة الفلسطينية
بسم الله الرحمن الرحيم
/11/2011م 28
حول الأحزاب السياسية
في أراضي السلطة الفلسطينية
مداخلة
الأخوة الأكارم / كل باسمه ولقبه وموقعه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
أصبح من الثابت في معظم الدول الديمقراطية طيلة القرن الماضي أن آليات كثيرة ابتدعها الفكر الإنساني ومنها الأحزاب السياسية تشكل الآلة الرافعة التي يقوم عليها نظام الحكم ، بحيث أن معرفة النظام الدستوري والقانوني لبلد ما كانت لا تكفي وحدها لمعرفة طبيعة النظام السياسي، إذ بالإضافة إلى ذلك يتعين معرفة تركيب القوى السياسية وكيفية عمل الآليات الرئيسية للديمقراطية في هذا البلد وعلى الأخص الأحزاب السياسية. ولهذا احتلت الأحزاب السياسية خلال القرن الماضي وحتى نهايته دوراً رئيسياً فيما يتعلق بربط المواطنين بالحكومة وقامت هذه الأحزاب بوظائف كثيرة ومتعددة .
فما هو الحزب السياسي ؟ في هذه المداخلة القصيرة سأحاول الإيجاز بقدر الإمكان للتوافق مع الوقت المخصص للموضوع، وسأتناول الأفكار فقط التي تخدم الفكرة التي توصلت إليها قائلاً أن الفقه الدستوري رد المفاهيم المختلفة للحزب السياسي إلى ثلاثة اتجاهات :
*الاتجاه الليبرالي ويركز على الجانب العقائدي للحزب فهو اتحاد مجموعة من الإفراد بغرض العمل معا لتحقيق الصالح القومي للجميع وفقاً لمبادئ سياسية توافقوا عليها .
*والاتجاه الاشتراكي ويركز على الجانب الطبقي للحزب ويقول بأن الأحزاب السياسية هي التعبير السياسي لمختلف الطبقات الاجتماعية .
*والاتجاه الذي يبرز الجانبين العقائدي والطبقي للحزب (باعتبار الحزب جماعة من الناس منظمة في بناء معين وملزمة بأفكار وعقيدة وبرنامج سياسي محدد وتنتمي بشكل عام إلى طبقة بذاتها إما انتماء اقتصاديا اجتماعيا مباشرا وإما انتماء فكريا غير مباشر .)
ومع ذلك ظل مفهوم الحزب السياسي يدور حول ثلاث مقومات رئيسية :
1- وجود تنظيم مدني له صفة العمومية والدوام مع توافر شبكة للاتصالات بين مختلف مستويات التنظيم .
2- رغبة عناصر هذا التنظيم وقيادته في ارتقاء السلطة السياسية وممارسة الحكم وليس مجرد التأثير على صنع القرار السياسي .
3- سعي التنظيم المدني المتواصل على الحصول على التأييد الشعبي وإقناع المواطنين ببرنامجه السياسي والفكري بناء على برامج مدنية وأولويات وأهداف محددة .
وعلى أية حال فان الحزب السياسي كان أداة يستعملها المجتمع المدني بحرية للتعبير عن أمانيه بالطرق السلمية وكان كثيراً ما يستطيع من خلال الحزب إن يحقق هذه الأماني ويصون ما أكتسبه من حقوق وحريات.... فالشعب لا يؤيد حزبا سياسيا من أجل توصيله للسلطة... بقدر ما يؤيده لأنه المعبر الحقيقي عن إرادته في تغيير ما يرغب تغييره، والعمل الأكيد من أجل تحقيق ما يسعى إليه الشعب في فترة من فترات حياته وبالوسائل السلمية المشروعة .
وغني عن القول أن الأحزاب كانت تقوم بوظائف متعددة وتقدم مجموعة من الخدمات التي قد تصل بالحزب السياسي إلى أن يمارس دور منظمة تعليمية للشعب عن طريق تبسيط المعلومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي توقظ فيه الوعي السياسي وتنميه، مع العمل على تخفيف حدة التنافر بين الأفكار والآراء الفردية وتوضيح الغامض منها وصياغته بما يرمي إلى تنمية المصالح المشتركة . ويقوم الحزب السياسي وهو خارج الحكم بمهمة الرقابة على أعمال الهيئة الحاكمة وينشط الحياة السياسية والبرلمانية .
وفي وضعنا الفلسطيني تقوم الفصائل المقاومة إلى جانب الدور العسكري الذي بمقتضاه نشأت بهدف تحرير فلسطين... تقوم فوق ذلك بدور مهم وفعال بل ودور رئيسي في الحياة السياسية الفلسطينية من مختلف الجوانب .... للدرجة التي يمكن القول معها :
أولاً : أن الوضع وأن شئت النظام الفلسطيني ما هو إلا الفصائل المسلحة والفصائل ما هي إلا النظام، خصوصاً وأن معظم رجال الحكم والقادة بمختلف المجالات ينتمون إلى هذه الفصائل والحركات المسلحة المختلفة.. ولا يمكن لأي باحث إن يتحدث عن النظام السياسي الفلسطيني دون المعرفة الصحيحة لكيفية نشأة الفصائل الفلسطينية وأنظمتها وكيفية عملها... الخ .
وثانياً : للدرجة التي يصعب معها الفصل بين السياسات السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفصائل ... الخ وبين الأهداف العسكرية التي نشأت بموجبها هذه الفصائل .
وثالثاً: للدرجة التي أصبح فيها الخلط بين مفهوم الحزب السياسي بالمعني المدني والتقليدي المتعارف عليه، ومفهوم حركات المقاومة خلط مقبول لدى الكثيرين في المجتمع الفلسطيني.
فالفصائل المقاومة والتي كانت لدي الشعوب المختلفة حتى منتصف القرن الماضي كلها تعمل في الخفاء والسر لمقاومة الاحتلال.... هي في الحالة الفلسطينية لها خصوصية الاضطلاع في أغلب عملها بمهام علنية ومتباينة وكثيرة ... فهي تقاوم وتحكم وتعارض وتنتقى القادة والزعماء السياسيين والممثلين الدبلوماسيين وتقدم المرشحين للقوائم الانتخابية في مختلف المؤسسات السياسية والمهنية وتختار رجال السلطة التنفيذية والقضائية، ووكلاء الوزارات ومدراء الدوائر وكل من يعمل في الوظيفة العامة وتدخلاتها تطال المجال الاقتصادي ... الخ وهي الأدوات التي تمارس جميع نشاطات فلسطين السياسية والدبلوماسية، ومن خلال قيامها بهذه المهام المتعددة تعكس هذه الفصائل بالضرورة الواقع والنظام الفلسطيني الذي نتحرك فيه جميعا....
والخطورة أننا نخشى أن ينجح العمل الذي تقوم به الجهات المعادية بهدف حشر أو الهاء الفصائل المقاومة بهذه القائمة من الوظائف والأنشطة، مطوعة إياها نحو ترك الوظيفة الأساسية التي نشأت الفصائل من أجلها أو جعل مهمة التحرير في ذيل قائمة الوظائف لاعتبارات كثيرة منها المحافظة على المكتسبات وانتظار الوقت المناسب .... الخ . خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار عامل العلنية الذي يضر ويؤذي أكثر بالعمل المقاوم وعمليات التحرير من الإضرار بالوظائف والمهام الأخرى التي تقوم بها الفصائل .... فالسرية هي من مستلزمات العمل المقاوم ... إلى جانب أن بعض الفصائل هي وحدة ذاتية مستقلة، فهي تملك صحفاً خاصة بها ودور نشر وحركات للشباب وبنوكا وشركات تأمين ومزارع ومشروعات ومعاهد تعليمية وجمع تبرعات محلية ودولية، ولها الدخل والإنفاق المالي والوضع الاقتصادي الخاص .... الخ وتسعى إلى تجنيد أكبر عدد ممكن من الأعضاء في منظومتها العسكرية، وتدفع أعضائها إلى الاندماج كلياً لخدمة الفصيل في المجالات العسكرية والسياسية لا الاندماج في السياسة العامة أو الكلية للدولة، وهنا مكمن الخطورة من انقسام المجتمع إلى أكثر من منظومة !!!.
ومن الجدير بالذكر أن التجربة الفلسطينية في مجال الأحزاب قد تشابه في المستقبل المنظور إلى حد كبير التجربة الإسرائيلية مع الأخذ بالحسبان الفترة الزمنية لكل منهما : حيث تشكلت الأحزاب الإسرائيلية المعروفة اليوم من خلال تفاعلات وعوامل كثيرة داخل المنظمة الصهيونية العالمية وداخل المجتمع اليهودي في فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكانت مهما تباينت برامجها تحمل أيديولوجية واحدة هي الأيديولوجية الصهيونية وتستهدف غايات واحدة هي غايات الصهيونية العالمية .... وتتميز بأنها كانت مؤسسات وتنظيمات عسكرية استيطانية قامت بتأسيس الدولة ومن أجلها ولم تتحول إلى أحزاب سياسية بالمفهوم التقليدي إلا بعد قيام دولة إسرائيل حيث صدر قانون الأحزاب السياسية. بل أن بعض هذه الأحزاب ظل يتوسع في النشاطات غير السياسية لتشمل كل جوانب الحياة في إسرائيل وارثاً من التنظيم العسكري المركزية الشديدة لسلطة الحزب والانضباط .
وإذا كان من الثابت أن هناك ارتباط وثيق بين المبادئ الديمقراطية والأحزاب السياسية، إلا أن هذه الآلية الهامة لا تعمل ألا إذا توافرت الآليات الأخرى مثل الانتخابات الجدية، والصحافة الحرة، والاستفتاءات الشعبية، والاعتراض الشعبي والاقتراح الشعبي، والحل الشعبي، وحق الناخبين في إقالة النائب في البرلمان وحق عزل رئيس الدولة .... الخ وكل هذه الآليات هي مثل أجزاء أي ماكينة أو سيارة لا تعمل أو تتحرك من تلقاء نفسها فهي في حاجة إلى وقود أو مصدر للطاقة لتدب فيها الحياة ولكي تعمل ، وهذا شأن الديمقراطية أجزاؤها ووسائلها مهمة إلى جانب الطاقة المحركة لكل الأجزاء هذه الطاقة هي الروح المتمثلة بتوفر الثقافة المدنية لأبناء الشعب لا الثقافة التقليدية المشوبة بمحاذير كثيرة منها المحاذير الأمنية والعسكرية .
وهذا هو الفيصل فالمبدأ الديمقراطي بآلياته المتعددة ومنها الأحزاب السياسية هدف تسعى للوصول إليه كل الفصائل المقاومة متأثرة بقيم الثقافة المدنية التي وصلت إليها المجتمعات الحديثة المستقلة، ولكنها عندما تعمل هذه الآليات تصطدم بقيم الثقافة التقليدية العسكرية المسيطرة على كل فصيل على حدى، مما يدفع هذه الفصائل للتدخل والوقوع في محظورات الديمقراطية لان الديمقراطية ليست حديثاً يتلهى به رجال السياسة، أنما هي قبل كل شئ ممارسة ينبغي على الجهات الفاعلة في المجتمع إلا تتدخل فيها إلا بقدر وحذر حتى لا تفسد كل شئ.
ومع ذلك يمكننا القول أنه لا يمكن في ظل الاحتلال إن تقوم أو تنشأ أحزاب سياسية بالمعني التقليدي المعروف، بل أكثر من ذلك لا قيام لأي آلية من الآليات الديمقراطية الأخرى... وحتى لو وجد بعض هذه الآليات فإنها لا تعمل بالشكل المطلوب وستظل الحالة الفلسطينية على ما هي عليه، إلى حين انتهاء حروب التحرير وقيام الدولة واكتمال عملية الاستقلال، وتحول الفصائل المقاتلة بشكل كامل لأحزاب سياسية مدنية بالمعنى التقليدي أو إدماجها في الشرطة أو الجيش وقوات الأمن الوطني ...
وهذا واضح من التعريفات التي أعطيت للأحزاب السياسية ومن دور الأحزاب في المجتمعات المدنية المستقلة، مما لا يمكن معه أن نطلق تعبير الأحزاب السياسية على الجماعات والفصائل المقاومة فهي حركات تحرر وطنية وستظل هكذا مهما مارست من ادوار سياسية واقتصادية ودبلوماسية وغيرها .
وقد يكون هذا السبب من أسباب عدم وجود قانون للأحزاب السياسية ،لأن القانون يحتاج إلى موضوع لتنظيمه مثلاً : يجب إن نحدد وظائف الأحزاب وكيفية تسجيلها، وكيفية الاعتراض على تسجيل حزب معين، ونظام كل حزب الذي يدار بموجبه، ومؤسسات الحزب، ومالية الحزب، وكيفية تفكيك الحزب وحله، والعقوبات التي تطبق على المخالفين، إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا يمكن تنظيمها في ظل وجود الجماعات المسلحة، التي تجد مبرر وجودها في مقاومة الاحتلال وتجربة منتدى فلسطين ومحاولة تأسيس حزب مدني بالخصوص ماثلة للعيان فالديمقراطية والأحزاب السياسية من آلياتها، لا تستقيم ولا تعمل في ظل الاحتلال ووجود مجتمع مقاوم .
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى إننا نقول برأي حديث سيفرضه المستقبل القريب على النظم السياسية المقارنة نتيجة التعقيدات الحالية لمشكلة ممارسة الحكم في مختلف الدول مع بدايات هذا القرن الواحد والعشرين، وفرضت ضرورة الأخذ بهذا الرأي الذي نتبناه ثورة التواصل التكنولوجية بين أفراد البشرية وتطور مفهوم الديمقراطية، لأن التطور التكنولوجي وثورة المعلومات كما غيرت كثيراً في مناحي الحياة أصابت أيضا منظومة الدولة القانونية في مختلف المجالات ومنها منظومة الآليات الديمقراطية حيث يـظهر كل يوم أن الآليات الديمقراطية ومنها الأحزاب السياسية التي كانت تعمل بفعالية في ظل ظروف معينة خلال القرن الماضي، أصبحت مع بداية هذا القرن صناعة ودقة قديمة، وغير صالحة وتبدو عاجزة، ولا تستطيع أن تجاري المتغيرات والمستحدثات والابتكارات التكنولوجية ويجب على الفكر الإنساني أن يبحث عن آليات جديدة ومغايرة تتواءم مع تطور المستحدثات التي يطالعنا بها التقدم العلمي كل صباح ويجاري أو يلاحق مسيرة الفكر الديمقراطي التي لا تتوقف ، فكما تركت النظم السياسية آليات الديمقراطية المباشرة في مرحلة زمنية معينة إلي آليات الديمقراطية غير المباشرة... وفي مرحلة زمنية لاحقة تركت الديمقراطية الغير مباشرة واتجهت النظم السياسية للأخذ بآليات الديمقراطية شبه المباشرة ومنها الأحزاب السياسية والانتخابات ، أن تغير المكان الذي أصبح مع نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين زاوية أو زنقة صغيرة وتصغر كل يوم تحت تأثير التطور والتقدم التكنولوجي الهائل بعد ما كان عالم متباعد الأطراف، وتغير قدرة البشر على التواصل وثورة المعلومات المتاحة للجميع ... الخ كل هذا يدل على أن الوقت قد حان لترك كل الآليات الديمقراطية المنهكة الغير قادرة على التجاوب مع مقتضيات التطور التكنولوجي حيث أفقدت هذه الثورة المعلوماتية الأحزاب كثيراً من وظائفها والأدوار التي تقوم بها، فما قيمة الأحزاب أو الانتخابات أو الصحافة أو غيرها من آليات العمل الديمقراطي إذا تحركت الجماهير أو حركتها قوى داخلية أو خارجية في لمحة البصر، وما يجري فيما يسمي الربيع العربي وكل دول العالم، خير مثال حيث أصبح التواصل بين الإفراد يتم بعيداً عن الأحزاب، بل أن الأحزاب تجري لتواكب هذه الإحداث وتركب موجاتها ، فالتطور التكنولوجي وثورة المعلومات المتسارعة أفقدت الأحزاب كما أفقدت الآليات الديمقراطية الأخرى، كثيراً من وظائفها، وما ندعو إليه فرضته ظروف التطور المتسارع في الاتجاه نحو الديمقراطية المثالية وتطور المفهوم الديمقراطي للشعوب ومدى نضجها السياسي فالآليات الديمقراطية هي ليست بكتاب مقدس تصلح لكل زمان ومكان، ويتعين البحث عن آليات أو وسائل جديدة تتواءم مع الثورة المعلوماتية فهي كغيرها من الأشياء أصبحت غير صالحة للاستعمال، واحتلت وسائل المواقع الالكترونية كالفيس بوك والتويتر وغيرها مكان الأحزاب السياسية كمنابر اجتماعية لها قدرة فائقة على التواصل وحشد الناس والتأثير في الرأي العام .
وأيا كان الأمر فإن الآليات الديمقراطية ومنها آلية فكرة الأحزاب السياسية فضلاً عن أنها أصبحت بالية وشاخت وفقدت شبابها ورونقها ( وقد نصل نحن الفلسطينيون لسوق الديمقراطية بعد ما خرب ) لا يمكن أن تعمل بأي شكل من الأشكال في ظل الاحتلال، أو في ظل الشعوب المقهورة من حكامها أو في المجتمعات التي يوجد بها منظمات مسلحة، ومحاولة إيجاد آليات ديمقراطية في هذه المجتمعات كإجراء انتخابات أو إصدار قانون للأحزاب السياسية بالمعني التقليدي خصوصاً في مرحلة مقاومة الاحتلال هو عبث وترف قانوني وملهاة عن القيام بمهام تحرير الوطن لسبب بسيط واحد وهو إن فكرة الديمقراطية تتعارض مع فكرة الاحتلال .
الأستاذ الدكتور/ فتحي الوحيدي
أحد مؤسسي الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر
مستشار المجلس الوطني الفلسطيني
عضو لجنة صياغة الدستور الفلسطيني
أحد مؤسسي المحكمة الدستورية
قاضي المحكمة الدستورية العليا


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق