مقالات
* الحركة الوطنية الفلسطينية إلى أين؟
د. ماهر الشريف
بات
هناك إجماع اليوم على أن "عملية أوسلو" فشلت، فهذه العملية التي كان من
المؤمل أن تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة بعد خمس سنوات من حكم ذاتي
محدود، ولّدت آليات جديدة للسيطرة داخل المناطق الفلسطينية المحتلة، وأعادت
صوغ الاستعمار الاستيطاني، وعمقت تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد
الإسرائيلي. ونتيجة هذا الفشل، وانسداد أفق السلام، تغيّرت موازين القوى في
الساحة الفلسطينية، وحدثت تحوّلات على بنية النظام السياسي الفلسطيني،
الذي نشأ على قاعدة "اتفاق أوسلو"، وصارت تبرز، بين الفلسطينيين، أصوات
تدعو إلى حل السلطة الوطنية الفلسطينية وإلى إعادة النظر في هدف الدولة
الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي تمسكت به الحركة
الوطنية الفلسطينية على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
من المسؤول عن فشل "عملية السلام"؟
ترجع
مسؤولية فشل "عملية السلام" إلى عوامل أربعة رئيسية، هي بحسب أهميتها: عدم
استعداد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب
الفلسطيني؛ وعدم نزاهة "الوسيط" الأميركي في المفاوضات؛ وضعف الحركة
الوطنية الفلسطينية؛ وتكاثر النكبات العربية وتراجع مركزية القضية
الفلسطينية عربياً.
وسأحاول فيما يتبع أن أتوقف عند كل عامل من هذه العوامل الأربعة.
إسرائيل: الصراع مع الفلسطينيين صراع وجودي لا حل له
لقد
نجحت الحكومة الإسرائيلية، بفضل "اتفاقات أوسلو"، في حل معضلة عويصة
جابهتها منذ انتصارها في حرب حزيران 1967. فإسرائيل صارت تضم فلسطينيي
الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب فلسطينيي 1948، الأمر الذي شكّل تهديداً
جدياً لطابعها "اليهودي". وبدأ التفكير، منذ مشروع إيغال ألون سنة 1967،
بإقامة كيان فلسطيني مكوّن من كانتونات منعزلة مع وظائف سيادية محدودة،
بينما تتخلى إسرائيل عن إدارتها المباشرة لهذا الكيان وعن مسؤولياتها إزاء
سكانه الفلسطينيين. وقد اختار إسحاق رابين وشمعون بيرس هذا الخيار، ووافقا
على التفاوض حوله مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي خرجت منهكة من
حرب الخليج الثانية، وكانت تحظى بشرعية في المناطق الفلسطينية المحتلة
تسمح لها بتمرير الاتفاقيات، كما كانت تمتلك جهازاً عسكرياً ومدنياً
يمكّنها من إدارة شؤون السكان الفلسطينيين، والمساهمة في الحفاظ على
الأمن من دون أن تتمتع بأي سيادة حقيقية على أرض تمت تجزئتها وعزلها عن
بعضها بعضاً.
وهكذا،
سمحت "اتفاقات أوسلو" بتواصل الاحتلال الإسرائيلي بأشكال جديدة، ولكن
بتكلفة أقل بكثير من السابق، واستمرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في
التنكر لشروط السلام العادل مع الفلسطينيين. ولم تكتفِ بذلك، بل قام جيشها،
منذ توقيع "اتفاقات أوسلو"، بشن خمس حروب على الفلسطينيين في الضفة
الغربية وقطاع غزة المحتلين، كان آخرها على قطاع غزة في صيف 2014، وذلك
استناداً إلى قناعة مترسخة لدى هؤلاء الحكام فحواها أن الصراع مع
الفلسطينيين هو صراع وجودي لا حل له إلا بفرض الاستسلام الكامل على الشعب
الفلسطيني.
وبغية
فرض هذا الاستسلام، سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى كسر إرادة
هذا الشعب في المقاومة، ومنعه من الاستمرار في نضاله من أجل حقوقه الوطنية.
وهذا الهدف الذي لم تتخلَ عنه في الواقع الحركة الصهيونية منذ نكبة 1948،
تبيّن بوضوح خلال الاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية في سنة 2002، في
إطار العملية التي أطلقوا عليها اسم "السور الواقي". فخلال تلك العملية،
صرّح رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك الجنرال موشيه يعلون، أن
المطلوب هو "كي الوعي الفلسطيني"، حتى"يعرف الفلسطينيون في أعماق وعيهم
أنهم شعب مهزوم". وصار تعبير "كي وعي الفلسطينيين" يعني، في الدعاية
الصهيونية، كسر إرادة المقاومة لديهم، وإلحاق هزيمة معنوية دائمة بهم، من
خلال نشر ثقافة الرعب والخوف بين صفوفهم وإشعارهم بالعجز الدائم.
أما
الوسيلة التي استند إليها الجيش الإسرائيلي لتحقيق هذا الهدف، فراحت
تتبلور شيئاً فشيئاً، منذ العدوان الإسرائيلي في سنة 2006 على لبنان، لتتخذ
شكل عقيدة عسكرية قامت على أساس توجيه قوة تدميرية هائلة إلى مواقع
"العدو" تكبده خسائر بشرية ومادية كبيرة جداً، وذلك استناداً إلى تجربة
الدمار الهائل الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلية بضاحية بيروت الجنوبية في
تلك السنة. والواقع، أن هذه العقيدة، التي صار اسمها: "عقيدة الضاحية"،
ليست جديدة، وإنما هي قديمة قدم بدايات تنفيذ المشروع الصهيوني على أرض
فلسطين، الذي لم يستهدف التدمير المنتظم لهوية الفلسطينيين السياسية فحسب،
بل استهدف أيضاً تدمير جميع مقوماتهم المجتمعية: قراهم، ومدنهم، وبيوتهم،
وبناهم التحتية، واقتصادهم وثقافتهم، وهو ما أطلق عليه بعض الناشطين في
مجال حقوق الإنسان، منذ أعوام، مصطلح Sociocide، الذي يمكن أن نعرّفه بالإبادة المجتمعية.
وفي
السنوات الأخيرة، وفي ظل تصاعد نفوذ الصهيونية القومية الدينية، صار حكام
إسرائيل يطالبون القيادة الفلسطينية بالاعتراف بإسرائيل دولة لكل يهود
العالم وبحق "الشعب اليهودي" بأرض فلسطين، ويستغلون الوضع الإقليمي الراهن
وانشغال العرب بحروبهم الداخلية بغية تطبيع علاقات إسرائيل مع العالمين
العربي والإسلامي. كما أن السياسة التي ينتهجونها إزاء الأقلية العربية
الفلسطينيية داخل إسرائيل، وآخر تجلياتها "قانون أساس: إسرائيل-الدولة
القومية للشعب اليهودي" الذي ينص على تعريف إسرائيل بصفتها "دولة الشعب
اليهودي"، ويعتبر أن حق تقرير المصير لا يتمتع به سوى هذا "الشعب"، ترمي
إلى تهميش الجماهير العربية الفلسطينية، أكثر فأكثر، في وطنها.
الولايات المتحدة الأميركية: من إدارة الأزمة إلى السعي إلى تصفية مركبات القضية
تتحمّل
الولايات المتحدة الأميركية مسؤولية كبرى عن انسداد أفق السلام في الشرق
الأوسط. وقد انتقلت صراحة، بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في
كانون الثاني/يناير 2017، من نهج "إدارة الأزمة" إلى العمل على تصفية أهم
مكوّناتها وهما قضية القدس وقضية اللاجئين. فخلال الأشهر القليلة الماضية،
اعترفت تلك الإدارة بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل واتخذت قراراً بنقل السفارة
الأميركية من تل أبيب إلى القدس، كما قررت خفض المساهمة المالية التي
تقدمها إلى منظمة "الأونروا"، التي توفر خدماتها إلى أكثر من خمسة ملايين
لاجئ فلسطيني، وصارت تتساوق مع الدعوات الإسرائيلية إلى تصفية هذه المنظمة
الدولية تمهيداً لاستبعاد قضية اللاجئين الفلسطينيين نهائياً من أية
مفاوضات مستقبلية، كما صارت تهدد بوقف مساهمتها في تمويل ميزانية السلطة
الفلسطينية ما لم يعد الفلسطينيون إلى المفاوضات وفقاً للشروط الإسرائيلية.
والواقع،
أن نهج تصفية مكوّنات القضية الفلسطينية بدأ مع إدارة جورج بوش الابن، إذ
قامت هذه الإدارة بعد انتهاء عمليات الجيش الأميركي في العراق، في 30
نيسان/أبريل 2003، بتقديم خطة "خريطة الطريق" بهدف التوصل "إلى حل
الدولتين للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني". وبينما وافقت قيادة منظمة التحرير
االفلسطينية على هذه الخطة، وضعت حكومة أرييل شارون "الليكودية" 14
تحفظاً عليها وعملت جاهدة من أجل إجهاضها. وعوضاً عن أن تتصدى الإدارة
الأمريكية لهذا الموقف، كافأت حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي برسالة
ضمانات قدمها جورج بوش الابن، في 14 نيسان 2004، إلى أرييل شارون، ومثّلت
تراجعاً عن كل المواقف التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ
سنة 1967، إزاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وقضية الحدود والمستوطنات. فبعد
أن أكد الرئيس الأمريكي، في تلك الرسالة، ترحيبه بمشروع "فك الارتباط" مع
قطاع غزة الذي ينوي أرييل شارون تنفيذه وجدد التزامه بالحفاظ على أمن
إسرائيل، اعتبر أن الحل "العادل والنزيه" لمسألة اللاجئين الفلسطينيين
سيكون "من خلال إقامة دولة فلسطينية وتوطين اللاجئين فيها بدلاً من توطينهم
في إسرائيل"، وأن حدود إسرائيل "الآمنة والمعترف بها" يجب أن تراعي
"الوقائع الجديدة على الأرض، بما فيها مراكز التجمعات السكانية الرئيسية
الموجودة في إسرائيل"، على اعتبار أنه من غير الواقعي "أن نتوقع أن تكون
نتيجة المفاوضات النهائية عودة كاملة إلى خطوط الهدنة لسنة 1949".
وبعد
انتخاب مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما للرئاسة الأمريكية في تشرين
الثاني 2008، توهم كثيرون في المنطقة والعالم أن حل الصراع
العربي-الإسرائيلي بات وشيكاً، وخصوصاً في ضوء المواقف "الإيجابية" التي
أعلنتها إدارته الجديدة. فقد أعلنت وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون التزامها
"بالعمل من أجل الحل القائم على أساس الدولتين"، بل ذهب رئيسها إلى أبعد
من ذلك، في خطاب ألقاه في جامعة القاهرة في حزيران/يونيو 2009، وذلك عندما
أعلن أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تدير ظهرها لتطلعات الفلسطينيين
المشروعة "في الكرامة وإقامة دولتهم الخاصة"، وذلك بعد أن تحمّلوا "آلام
النزوح على مدى أكثر من ستين عاماً"، مؤكداً أن بلاده "لا تقبل مشروعية
استمرار المستوطنات الإسرائيلية، وأن عمليات البناء في المستوطنات تنتهك
الاتفاقات السابقة وتقوّض جهود السلام"، ومعتبراً أن القدس يجب أن تكون
"وطناً دائماً لليهود والمسلمين والمسيحيين يتعايشون فيه بسلام".
لكن
لم تمضِ سوى أشهر قليلة على ذلك الخطاب، حتى تراجعت إدارة باراك أوباما عن
مطالبتها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد "الليكودي" بنيامين
نتنياهو بالوقف الكامل للاستيطان، تمهيداً لاستئناف مفاوضات السلام مع
الفلسطينيين، وصارت تمارس، عوضاً عن ذلك، ضغوطاتها على الرئيس الفلسطيني
محمود عباس كي يقبل باستئناف المفاوضات "من دون شروط"، وعادت إلى اعتماد
نهج الإدارات الأمريكية التي سبقتها، إزاء "عملية السلام"، وهو نهج يقوم
على تغليب الشكل على الجوهر في هذه العملية: فالمهم أن تبقى "عملية السلام"
حية، وليس المهم أن تعمل الولايات المتحدة الأميركية على توفير شروط
نجاحها بما يفضي إلى سلام عادل ودائم.
مظاهر ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية
بعد
اندلاع الانتفاضة الثانية ورحيل ياسر عرفات في تشرين الثاني/نوفمبر 2004،
بدأ يطرأ تحوّل على موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية، خلق مع الوقت،
وخصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، حالة من ازدواجية السلطة.
ففي
إطار سياستها الرامية إلى ضم أكبر قدر من الأرض الفلسطينية واستبعاد أكبر
قدر من الفلسطينيين، بلورت حكومة أرييل شارون في سنة 2004 خطة "فك
الارتباط" الأحادية الجانب مع قطاع غزة، الذي كان يضم نحو مليون ونصف
مليون فلسطيني، ولا يقطنه أكثر من 7000 مستوطن، موزعين على واحد وعشرين
مستوطنة، تلقي على عاتق الحكومة الإسرائيلية أعباء عسكرية ومالية كبيرة.
وكان من ضمن أهداف هذه الخطة الحؤول دون قيام دولة فلسطينية وإحباط الحاجة
إلى تفكيك أي مستعمرة في الضفة الغربية، وفرض حصار دائم على قطاع غزة
وتحويله إلى سجن كبير.
والواقع
أن "فك ارتباط" إسرائيل بقطاع غزة كان من أبرز الأسباب التي دفعت قيادة
حركة "حماس" إلى إعادة النظر في موقفها من مبدأ المشاركة في انتخابات تجري
في ظل "اتفاق أوسلو". فعشية الانتخابات التشريعية التي جرت، في كانون
الثاني/يناير 1996، لانتخاب مجلس الحكم الذاتي، أعلنت حركة "حماس" مقاطعتها
الانتخابات، لأنها "تجري تحت سقف اتفاق أوسلو"، كما ذكرت، وتلغي "حق أكثر
من أربعة ملايين لاجئ فلسطيني في الشتات، بحصرها المشاركة بأبناء الضفة
الغربية وقطاع غزة "، معتبرة أن صلاحيات المجلس المنتخب ستبقى "رهينة لسلطة
الاحتلال". أما الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الثاني 2006، فقد
قررت "حماس"، في ظل تصاعد شعبيتها وتردي أداء حركة "فتح" في السلطة،
المشاركة فيها، ونجحت في الفوز بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وهو فوز
تحقق، في المقام الأول، بفضل تصويت "احتجاجي" لقطاع واسع من المواطنين على
الأوضاع القائمة في المناطق الفلسطينية المحتلة.
بيد
أن تلك الانتخابات أدّت إلى خلق استقطاب ثنائي في الساحة الفلسطينية وإلى
تضييق المساحة، الضيّقة أصلاً، التي يشغلها التيار اليساري الذي عجز عن
بلورة قطب ثالث، نتيجة عوامل موضوعية وذاتية في آن معاً. فقد تأثّر التيار
اليساري الفلسطيني بانهيار الاتحاد السوفيتي تأثّراً كبيراً، ولم يلتقط
التغيّرات التي طرأت على بنية المجتمع الفلسطيني بقيام السلطة الوطنية
الفلسطينية، والتي تمثّلت في تطبع الاقتصاد الفلسطيني بطابع ريعي، وتعاظم
حجم العاملين والمستخدمين في أجهزة السلطة الأمنية والإدارية. كما لم يرصد،
في الوقت المناسب، ظاهرة تراجع أطر العمل الجماهيري التقليدية، مثل نقابات
العمال واتحادات الطلبة ومنظمات المرأة، في مقابل تنامي دور منظمات العمل
الأهلي والمنظمات غير الحكومية، التي حظيت بدعم مادي أجنبي كبير واستقطبت
عدداً كبيراً من كوادر القوى اليسارية. وبينما كان التيار الإسلامي يشهد
تصاعداً لا سابق له لنشاطه، في إطار "الصحوة الإسلامية " العامة التي شملت
المنطقة، عجزت القوى اليسارية الفلسطينية عن مواجهة تحدي التجديد على
الأصعدة كافة، وعن تجسيد شعار الترابط بين مهمات النضال الوطني ومهمات
النضال الاجتماعي في برامج ومهمات ملموسة، كما عجزت عن تجاوز تناقضاتها
الثانوية وتوحيد صفوفها.
وكان
قد أعقب انسحاب آخر القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، في أيلول/سبتمبر
2005، نشوء حالة من الفلتان الأمني ومن فوضى السلاح، وجرت محاولات عديدة
لإطلاق صواريخ نحو الخط الأخضر، ردت عليها القوات الإسرائيلية بشن اعتداءات
واسعة على القطاع، كما قامت حركة "حماس" بتنظيم مسيرات مسلحة وعروض
عسكرية، وتكرر وقوع اشتباكات مسلحة بين عناصر الشرطة الفلسطينية ومقاتلي
حركة "حماس"، تحوّلت إلى صراع شامل، انتهى، في أواسط حزيران 2007، بقيام
"حماس" بفرض سيطرتها بالقوة العسكرية على قطاع غزة، وهو ما أدّى إلى حدوث
انقسام جغرافي وسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، صار يهدد وحدة الشعب
الفلسطيني ووحدة مشروعه الوطني التحرري، ويمكّن إسرائيل من تكريس احتلالها.
وفي
ظل الاستعصاء السياسي الذي نجم عن فشل "عملية اوسلو"، و"انقلاب" حركة
"حماس"، باءت بالفشل الجهود التي بذلت من أجل إصلاح مؤسسات السلطة الوطنية
الفلسطينية، وإضفاء طابع ديمقراطي عليها. كما وصلت إلى طريق مسدود مساعي
إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جديدة تضمن فتح أبوابها أمام
حركتَي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني،
وتمكينه من الاضطلاع بدوره الرقابي والتشريعي، وتجديد تركيبة اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وترافق إضعاف منظمة التحرير
الفلسطينية بصفتها "المظلة السياسية الجامعة" للفلسطينيين مع تعميق
الانقسام بين تجمعات الشعب الفلسطيني الرئيسية الثلاثة، في الشتات، وفي
المناطق التي احتلت سنة 1967، وفي المناطق التي احتلت سنة 1948. كما تسبب
في تراجع الدور السياسي للاجئين الفلسطينيين في الشتات، الذين راحت تبرز
بين صفوفهم ظواهر اليأس والإحباط، وراح ينمو لديهم شعور بأن حركتهم الوطنية
قد تخلت عنهم وتنكرت لحقوقهم ولنضالاتهم. ونتيجة ذلك، راحت أعداد كبيرة
منهم تنفض عن الفصائل الفلسطينية وتهجر العمل السياسي، كما تزايدت، في ظل
تقلص خدمات وكالة "الأونروا" نتيجة الوضع المالي الحرج الذي تواجهه،
ظاهرة الهجرة من المخيمات إلى البلدان الأوروبية .
تكاثر النكبات العربية وتراجع الانشغال العربي بالقضية الفلسطينية
توقع
الفلسطينيون، عقب انطلاق الحراكات الشعبية التي شهدها عدد من الدول
العربية، اعتباراً من أواخر سنة 2010، أن القضية الفلسطينية ستستعيد وهجها
القومي. بيد أنه تبيّن سريعاً أن قضية فلسطين - وعلى الرغم من بعض الحوادث
المعزولة مثل رفع الأعلام الفلسطينية في بعض التظاهرات الشعبية أو الهجوم
في مصر على السفارة الاسرائيلية - غابت عن خطاب هذه الحراكات الشعبية، التي
اتخذت طابعاً عفوياً في الأساس، ولم يكن للأحزاب والحركات القومية
واليسارية أي دور في تأطيرها، وافتقدت البرامج السياسية الواضحة، مكتفية
بشعارات عامة تنشد الحرية والعدالة والكرامة. والواقع أن هذه الحراكات
الشعبية لم تفتح، وخصوصاً بعد أن برزت في إطارها الحركات الإسلامية
"التكفيرية"، آفاق حدوث تغييرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية، بل
راحت تتطبع بطابع طائفي ومذهبي أو اثني، وتتخذ شكل صراعات دموية عرضت لخطر
التمزق النسيج المجتمعي لدول عربية عديدة وهددت بالتفكك وحدة كياناتها،
وجعلت النظام الرسمي العربي، المنقسم على نفسه، يعيش أشد حالات الضعف
والشلل التي شهدها عبر تاريخه، وحوّلت المنطقة العربية، تحت شعار محاربة
"الإرهاب"، إلى ساحة للصراع الإقليمي وللتدخلات الدولية.
وكان
من الطبيعي أن يستغل حكام إسرائيل هذا الواقع العربي المتردي للإمعان في
مشاريعهم الرامية إلى القضاء نهائياً على القضية الفلسطينية وللترويج لحل
"إقليمي" للصراع يتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، مستفيدين في ذلك من
حقيقة أنه لم يعد هناك اليوم إجماع عربي على أن إسرائيل، وسياسات حكامها
العدوانية والاحتلالية، هي التي تمثّل التهديد الأكبر للأمن القومي العربي.
ففي ظل تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، صار بعض الأنظمة العربية، ولا
سيما في منطقة الخليج، يرى في هذا النفوذ "الخطر الأكبر" الذي يتهدده،
وبات لديه بالتالي استعداد، مضمر غالباً ومكشوف أحياناً، للتحالف مع
إسرائيل في مواجهة هذا النفوذ الإيراني والسير على طريق تطبيع العلاقات
معها.
ومن
جهة أخرى، تركت هذه الحراكات الشعبية، وما استتبعته، تأثيرات سلبية مباشرة
على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وخصوصاً في سورية. فبعد مرحلة استقرار
دامت نحو 65 عاماً، انقلبت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في هذا البلد رأساً
على عقب منذ صيف سنة 2012. ولم تفلح خطابات النأي بالنفس التي تبنتها فصائل
منظمة التحرير الفلسطينية في حماية هؤلاء اللاجئين، بعد أن دخلت القوى
"التكفيرية" بعض مخيماتهم وشهدت غالبيتها معارك عنيفة، أدّت إلى استشهاد
أكثر من 1500 فلسطيني ونزوح نحو 80000 فلسطيني انتقلوا إلى لبنان والأردن
أو هاجروا إلى دول أوروبا عن طريق الهجرة الشرعية وغير الشرعية، فضلاً عن
ظاهرة النزوح داخل مناطق سورية.
ما هو مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية ومشروعها؟
تجد
الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها اليوم أمام مفترق طرق، نتيجة الانقسام
داخل الصف الوطني، وتهميش منظمة التحرير الفلسطينية وعجزها عن إصلاح
هيئاتها وأجهزتها، والصعوبات التي تواجهها جميع مكوّنات الحركة الوطنية
الفلسطينية، وأزمة مشروعها الوطني، القائم، أساساً، على قيام دولة فلسطينية
مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، وتنفيذ القرار الدولي رقم 194 الخاص بعودة
اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم.
البحث عن استراتيجية كفاحية جديدة
فبعد
أكثر من عقدين على توقيع "اتفاق أوسلو"، تبيّن عقم الاستراتيجية التي
اعتمدتها القيادة الفلسطينية، والتي استندت إلى خيار المفاوضات الثنائية
برعاية أمريكية، وثبت اليوم بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل، على مستوى
المؤسسة الحاكمة وعلى مستوى الرأي العام الشعبي، غير مستعدة للتوصل إلى
سلام مع الشعب الفلسطيني. وهذا الواقع، بات يفرض على الحركة الوطنية
الفلسطينية السعي إلى بلورة استراتيجية كفاحية جديدة، تنطلق من حقيقة أنها
لا تمتلك اليوم، ولن تمتلك على الأغلب في المدى المنظور، شريكاً تصنع معه
السلام.
وفي
إطار النقاشات الدائرة حول طبيعة مثل هذه الاستراتيجية الكفاحية الجديدة،
برزت اجتهادات مختلفة، بعضها يؤكد ضرورة التخلي عن "وهم" السلام وإعادة
الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي إلى مربعه الأول بصفته صراعاً بين حركة تحرر
وطني وحركة كولونيالية استيطانية، واستعادة الهدف الاستراتيجي الأصلي
المتمثل بقيام دولة واحدة على أرض فلسطين الانتدابية، وبعضها الآخر يقدّر
أن الشعب الفلسطيني يفتقد اليوم إلى مؤسسات وطنية جامعة، إذ لم تعد منظمة
التحرير الفلسطينية "سوى عنوان لكيان لم يعد موجوداً"، وأن المخرج من
الأزمة الحالية يكون "ببناء حركة وطنية جديدة على أسس ديمقراطية تمثيلية
للكل الفلسطيني".
وأود فيما يتبع أن أجتهد في تقديم وجهة نظري في هذه الآراء:
أ- إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية
وأبدأ
بالقول إن أزمة الثقة التي تواجهها منظمة التحرير الفلسطينية لا يجب أن
تدفع إلى المس بمكانتها وصفتها التمثيلية ولا إلى التفكير في خلق بدائل
لها، بل يجب أن تدفع إلى إعادة الاعتبار إليها، كي تضطلع بدورها بصفتها
الكيان السياسي الجامع للفلسطينيين والممثل الشرعي الوحيد لهم، وهو أمر لن
يتحقق قبل إعادة بنائها من خلال إصلاح مؤسساتها، وتوسيع طابعها التمثيلي،
وضمان التفاف مكونات الشعب الفلسطيني كافة حولها، بما في ذلك البحث عن
صيغة تمكّن ممثلي جميع هذه المكوّنات من أن يكون لهم دور في صنع القرار
السياسي الفلسطيني.
وعلى
الرغم من تعثر كل المحاولات التي جرت إلى الان، فإن الاستمرار في السعي
من أجل توفير الشروط التي تضمن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، التي
اكتسبت تاريخياً صفتها التمثيلية بفضل نضالات حواملها وتضحياتهم، يظل
أهون من المغامرة بالبحث عن بدائل لها، خصوصاً بعد أن ثبت عجز كل ما
شهدناه من لجان وهيئات وحراكات في السنوات القليلة الماضية عن توفير شروط
ولادة حركة وطنية جديدة خارج إطار منظمة التحرير.
بيد أن نفخ الروح في منظمة تحرير متجددة يفترض توافر شرطين:
الأول،
طرح مستقبل السلطة الفلسطينية على طاولة البحث؛ فوجود هذه السلطة وما
أنيط بها من أدوار كان العامل الأول وراء تهميش منظمة التحرير؛ كما أن
الصراع على هذه السلطة كان، ولا يزال، السبب الرئيسي وراء استمرار الانقسام
الفلسطيني؛ وإذا كان مفهوماً الرأي القائل إن حل السلطة، والعودة إلى ظروف
ما قبل أوسلو، أمر متعذر لاعتبارات عديدة، فإن من المشروع التفكير بتغيير
وظائف هذه السلطة، بحيث تتحلل من التزاماتها، وبخاصة الأمنية والاقتصادية،
إزاء "اتفاق أوسلو" وتحصر مهماتها في توفير الخدمات الاجتماعية للمواطنين
وتدعيم صمودهم. وكما كتب الصديق كميل منصور في أحد دراساته، فإن اتفاقية
جنيف الرابعة واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، تمنحان الجانب
الفلسطيني الحق في نقض الاتفاقات التي وقّعها مع إسرائيل، بسبب الخرق
الإسرائيلي الفاضح لها، وعلى الأخص الاتفاقية المرحلية لسنة 1995 التي
شرّعت التنسيق الأمني، بحيث تبادر السلطة الوطنية الفلسطينية إلى تجميد
الاتصالات والاجتماعات وتبادل المعلومات مع الجانب الإسرائيلي، وتكون
مستعدة لتحمل الإجراءات المضادة التي ستلجأ إليها إسرائيل، بما فيها تجميد
الارتباط المدني، وإلغاء امتيازات التنقل الممنوحة لـ «الشخصيات الهامة»
في السلطة، والامتناع عن تحويل عائدات الضرائب التي تجمعها الحكومة
الإسرائيلية لصالح السلطة الفلسطينية، وازدياد توغل الجيش الإسرائيلي في
المناطق الخاضعة لهذه الأخيرة.
ومن
جهة ثانية، لا بدّ من التحلل من اتفاق "البروتوكول الاقتصادي" الذي وقّع
في مدينة باريس في 29 نيسان/أبريل 1994، والذي غيّر نمط تبعية الاقتصاد
الفلسطيني لإسرائيل بدلاً من إنهائها، وأبقى الموارد الأساسية، كالأرض
والمياه والأيدي العاملة، خاضعة للسلطات الإسرائيلية، وتسبب، بحسب الباحثة
سارة روي، في خلق حالة من "اللاتنمية" أو "الإفقار التنموي" في المناطق
الفلسطينية المحتلة، نتج عنه انخفاض الناتج المحلي، وتراجع معدلات النمو،
وارتفاع معدلات الفقر والبطالة ارتفاعاً كبيراً، وبيّن، في المحصلة، أنه لا
يمكن تحقيق تنمية في ظل التبعية وافتقاد السيادة الوطنية.
أما
الشرط الثاني لنفخ الروح في منظمة تحرير متجددة فيتمثّل في العودة إلى
إبراز صورة المنظمة على حقيقتها ليس بصفتها نظاماً سياسياً شبيهاً بالأنظمة
العربية بل بصفتها حركة تحرر وطني تناضل ضد استعمار استيطاني، يمثّل
خطراً على الشعوب العربية الأخرى كذلك، وهو ما قد يساهم، على الرغم من كل
تعقيدات الوضع العربي، في إحياء التضامن الشعبي العربي مع النضال الوطني
الفلسطيني وفي قطع الطريق على مساعي التطبيع الرسمية العربية.
ب- استمرار التمسك بهدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة
أظهرت
التطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة الصعوبات
الكبيرة التي تعترض هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع
غزة تكون القدس الشرقية عاصمتها، وخصوصاً في ضوء التزايد الكبير الذي طرأ
على عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وفي القدس ومحيطها، وإصرار
إسرائيل على الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية وإبقاء القدس موحدة، وإقامة
الجدار العازل، وتحويل مدن الضفة الغربية إلى معازل، تخترقها الطرق
الالتفافية الإسرائيلية، وعزل قطاع غزة عن الضفة الغربية. وأمام هذا الواقع
الجديد، راحت تبرز فكرة مفادها أن الحفاظ على فلسطين الموحدة، في حدودها
الانتدابية، قد يكون هو المنطلق الأمثل للتوصل إلى حل نهائي لهذا الصراع،
وصارت تظهر، بخصوص الشكل الدستوري الذي يمكن أن تتخذه فلسطين الموحدة،
اجتهادات متباينة تراوحت ما بين العودة إلى فكرة قيام دولة ديمقراطية
علمانية في فلسطين، أو إلى دولة ثنائية القومية، وما بين فكرة اعتماد
النموذج الجنوب إفريقي بحيث يقبل الفلسطينيون بأن يكونوا مواطنين يتمتعون
بحقوق المواطنة الكاملة في دولة إسرائيل، التي يتوجب عليها أن تتخلى عن
طابعها اليهودي.
والواقع،
أن الاختلاف في الظروف الراهنة بين أنصار الدولة الواحدة وأنصار الدولتين
لا طائل منه لسبب بسيط هو أن هذين الخيارين غير متاحين اليوم، ولن يكونا
متاحين في المدى المنظور وربما المتوسط. بيد أن الإقرار بهذه الحقيقة لا
يجب أن يدفع في هذه المرحلة إلى التخلي عن هدف الدولة الفلسطينية المستقلة
في الخطاب الفلسطيني الموجه إلى العالم على اعتبار أن هذا الهدف حظي بما
يشبه الإجماع الدولي، وهذا أمر بالغ الأهمية في وقت يتنامى فيه التضامن مع
نضال الشعب الفلسطيني، وتبرز فيه فوائد العمل على تدويل القضية
الفلسطينية، وحشد الدعم الدولي للاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة
ورفع مكانتها كي تحظى بحقوق العضوية الكاملة، وتطوير العلاقة مع "حركة
مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" (BDS
)، التي سيؤدي توسعها وتنامي نضالاتها إلى فرض عزلة دولية على
الاحتلال الإسرائيلي شبيهة بالعزلة التي ساهمت في تفكيك نظام التمييز
العنصري في جنوب أفريقيا.
لقد
قلت إن التمسك بهدف الدولة المستقلة يجب أن يكون على مستوى الخطاب الموجه
إلى العالم، أما على أرض الواقع، فلا بدّ من تغيير استراتيجية الحركة
الوطنية الفلسطينية من استراتيجية تبحث عن بناء مؤسسات دولة لا تتوفر شروط
قيامها اليوم إلى استراتيجية جديدة تقوم على أسس ثلاثة:
أولاً: ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية المعاد بناؤها، وهو ما تحدثت عنه.
ثانياً:
توفير مقومات بقاء الفلسطينيين وصمودهم فوق الأرض الفلسطينية في مواجهة
إجراءات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي؛ فبقاء الفلسطينيين وصمودهم فوق
أرضهم هو الذي حال دون تكلل المشروع الصهيوني بالنصر النهائي، وهو الذي
سيوفر أساس مواصلة النضال الوطني الفلسطيني؛ ومن البديهي أنه لا يمكن ضمان
صمود الفلسطينيين فوق أرضهم من دون تغيير النهج الاقتصادي الذي اعتمد بعد
قيام السلطة الوطنية، والعودة إلى نهج اقتصاد الصمود، الذي يقوم على
الالتزام الجماعي بالأرض والتوجه نحو زرعها، بما في ذلك في المناطق
المسماة (C) التي تشكل60 في المئة من الضفة
الغربية، وإقامة المزيد من التعاونيات الزراعية لسد الاحتياجيات المحلية
وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتشجيع الإنتاج الصناعي المحلي ودعم الاستثمارات
الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة، وفرض المقاطعة الكاملة على البضائع
الإسرائيلية، ومطالبة القطاع الخاص بالمساهمة الفعلية في المقاومة من خلال
تركيزه على الاستثمار في القطاعات الإنتاجية عوضاً عن الاستثمار في
المشاريع الاستهلاكية والترفيهية والعقارات والمؤسسات المالية، وتوظيف
أرباحه في الداخل بدلاً من تحويلها إلى خارج فلسطين، وتوسيع المشاركة
المجتمعية في صناعة القرار الاقتصادي.
وثالثاً:
استعادة وحدة مكونات الشعب الفلسطيني، التي أضعفها "اتفاق اوسلو" عندما
همشّ قضية اللاجئين الفلسطينيين واستبعد المواطنين الفلسطينيين في مناطق
1948، والبحث عن صيغ تضمن للفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة، وعلى الرغم
من خصوصيات أوضاعهم، تقاسم الهم الوطني والتوحد حول مشروع وطني واحد. وفي
هذا السياق، كان كميل منصور نفسه قد طرح فكرة تشكيل مجلس موسع له صفة
استشارية يضم ممثلين عن الشعب الفلسطيني، بمن فيهم ممثلو الجماهير العربية
الفلسطينية في إسرائيل الذين لا يمكنهم أن يتمثلوا في هيئات منظمة التحرير
الفلسطينية. وهنا لا بدّ لنا من الإقرار بأن النضال الوطني الفلسطيني لم
يحقق على مدى عقود طويلة تحريراً للأرض لكنه حقق إنجازاً تاريخياً تمثّل
في خلق الوعي لدى جميع الفلسطينيين، في الشتات وفي المناطق التي احتلت عام
1948 والمناطق التي احتلت عام 1967، بأنهم يشكّلون شعباً واحداً، تجمعه
الهوية الوطنية الفلسطينية ويلتف حول مشروع وطني موحد. وإذا لم تتعزز
وحدة هذا الشعب، فالخوف، كل الخوف، أن تطغى الولاءات الجزئية، المناطقية
والحمائلية والعائلية، على الولاء الوطني المركزي، وهو ما بدأنا نشهد -
للأسف- مؤشرات على إمكانية حدوثه.
ج- تطوير المقاومة الشعبية
ولن
يكتب النجاح لأي مشروع وطني فلسطيني ما لم ينجح الشعب الفلسطيني في تجميع
عناصر القوة اللازمة وتوسيع مقاومته الشعبية للاحتلال. إذ أثبت تاريخ
النضال الوطني الفلسطيني على مدى العقود الفائتة أن المقاومة الشعبية التي
تنخرط فيها فئات الشعب الفلسطيني الاجتماعية كافة هي الوسيلة الكفاحية
الأنجح في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي. وعلى الرغم من تحسب فئات اجتماعية
عديدة، وخصوصاً في صفوف الطبقة الوسطى، من اندلاع انتفاضة جديدة تكون على
غرار انتفاضة أيلول 2000، التي تركت "عسكرتها" تداعيات خطيرة على المجتمع
ومؤسساته، فإن الشعور الوطني، وما ينطوي عليه من استعداد للنضال، لا يزال
قوياً وحياً في نفوس القسم الأعظم من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، حتى
بين صفوف الطبقة الوسطى، وهو ما يوفر احتمال تحوّل عمليات المقاومة الشعبية
المتفرقة، التي تجري هنا وهناك، إلى انتفاضة شعبية واسعة، وخصوصاً إذا ما
نجحت الحركة الوطنية الفلسطينية في إنهاء الانقسام وتبني استراتيجية كفاحية
جامعة بديلة عن الاستراتيجية التي اعتمدتها قيادة منظمة التحرير بعد
توقيعها "اتفاق أوسلو".
أزمة حركة وطنية وليست أزمة هوية وطنية
عند
الحديث عن أزمة فلسطينية، ينبغي التمييز بين الحركة الوطنية الفلسطينية،
من جهة، والهوية الوطنية الفلسطينية، من جهة ثانية. فأزمة الحركة الوطنية
الفلسطينية المركبة هذه ليست أزمة الهوية الوطنية الفلسطينية. والواقع، أن
الحركة الوطنية الفلسطينية شهدت، عبر تاريخها، العديد من الأزمات التي كانت
تفلح في تجاوزها دوماً بفضل حيوية الهوية الوطنية الفلسطينية. وتنبع هذه
الحيوية من دور الثقافة الفلسطينية بوجه خاص. فبفضل تراثه الثقافي، استطاع
الشعب الفلسطيني، على الرغم من ضياع شخصيته السياسية المستقلة بعد سنة
1948، أن يحافظ على هويته، وذلك على الرغم من الانقلاب الكبير الذي طرأ على
حياة الفلسطينيين نتيجة النكبة. وأعطى نشوء المقاومة الفلسطينية، بعد
هزيمة حزيران 1967، دفعاً جديداً للإنتاج الثقافي الفلسطيني، بحيث أصبحت
المقاومة هي التيمة المركزية للإبداعات الأدبية والفنية، في الشتات كما في
فلسطين. وشيئاً فشيئاً، صارت الثقافة الفلسطينية تتسم بالنضج، وتتخلى عن
الخطابات والشعارات السياسية المباشرة؛ فهي، مع استمرار تطبعها بروح
المقاومة، لم تعد تعرّف نفسها من منظار النكبة أو الاحتلال فقط، وإنما صارت
تبرز أيضاً بصفتها ثقافة إنسانية منفتحة تصبو إلى العالمية. ويبذل
المثقفون الفلسطينيون اليوم جهوداً حثيثة من أجل صيانة الهوية الوطنية
الفلسطينية وتعزيزها، والتمسك بالرواية التاريخية للشعب الفلسطيني والحؤول
دون تهميشها، وخصوصاً فصلها المتعلق باللاجئين الذين يشكلون القسم الأعظم
من الشعب الفلسطيني وحقهم المشروع في العودة إلى وطنهم.
